اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-18 11:33:00
في كل صباح، كانت سميرة خالد تبدأ يومها بطقوس لم تعتد عليها منذ سنوات. تذهب إلى صنبور الماء في مطبخها، تفتحه لثواني طويلة، ثم تغلقه بصمت فلا يخرج منه إلا الهواء. ثم تبدأ رحلة أخرى أصعب: الاتصال بأصحاب الصهاريج، أو السؤال عن بئر يمكن الحصول منه على كمية من الماء تكفي ليوم أو يومين. بين انتظار الصهريج والخوف من نفاذ الصهريج، تحولت المياه في مدينة الحسكة من خدمة أساسية إلى هاجس يومي لدى آلاف العائلات. اليوم، مع إعلان وزارة الطاقة السورية عن بدء الضخ التجريبي لمحطة مياه علوك، عاد الأمل لسكان المدينة الذين أنهكتهم سنوات الانقطاع، وأثقلتهم تكاليف شراء المياه، وأجبرتهم على الاعتماد على آبار وخزانات لم تكن دائماً آمنة أو صالحة للاستخدام. ويمثل الإعلان بداية مرحلة جديدة لمحافظة الحسكة التي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بأزمة المياه أكثر من أي محافظة سورية أخرى، في ظل الإغلاق المتكرر للمحطة التي تعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب لمئات الآلاف من السكان. يعود الضخ بعد تسعة أشهر من إعادة التأهيل. وأعلنت وزارة الطاقة السورية، في 16 تموز/يوليو، بدء الضخ التجريبي لمحطة مياه علوك، بعد استكمال أعمال الصيانة والتأهيل التي استمرت أشهر، وتم تنفيذها بالتعاون بين المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، على أن تكتمل أعمال التأهيل بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) لوصول المحطة إلى طاقتها التشغيلية الكاملة. وقالت الوزارة إن هذه الخطوة تمهد لإعادة المحطة إلى الخدمة بشكل كامل، بما يضمن وصول مياه الشرب الآمنة بشكل منتظم للمواطنين في المناطق المستفيدة، بعد سنوات من التوقف والانقطاع الذي أثر على مختلف تفاصيل الحياة اليومية في محافظة الحسكة. رحلة طويلة قبل عودة المياه. الوصول إلى مرحلة الضخ التجريبية لم يكن نتيجة الأيام الماضية، بل جاء نتيجة سلسلة إجراءات فنية وإدارية بدأت بعد سيطرة الحكومة السورية رسمياً على محطة مياه علوك في الثامن من نيسان الماضي، بعد أسابيع من تسلمها إدارة مدينة رأس العين. وعقب عملية التسليم، بدأت الفرق الفنية بتقييم الواقع التشغيلي للمحطة، وإجراء فحص شامل لمعداتها، وإعداد الدراسات الفنية لتحديد الأعطال وتحديد الاحتياجات اللازمة لإعادتها للعمل تدريجياً، مع تكليف كوادر للإشراف على المحطة خلال المرحلة المقبلة. ثلاثة مصادر للكهرباء، كشفت وزارة الطاقة، في أيار الماضي، لعنب بلدي، عن خطة متكاملة لإعادة تشغيل المحطة، أبرزها تأمين الكهرباء اللازمة لتشغيل المضخات. وأوضح رئيس دائرة التخطيط والإدارة المركزية بوزارة الطاقة خالد الغازي، أن الوزارة عملت على تأمين ثلاثة مصادر مختلفة للطاقة، بينها محطة كهرباء الدرباسية المتنقلة، وخط كهربائي من الشركة الخاصة المزودة للكهرباء في رأس العين، إضافة إلى الاعتماد على المولدات الكهربائية الموجودة داخل المحطة نفسها، لضمان استقرار التغذية الكهربائية وعدم توقف الضخ بسبب الانقطاعات. وتزامنت هذه الأعمال مع تنفيذ عمليات الصيانة والتجهيز بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالإضافة إلى التنسيق مع منظمة اليونيسف ومنظمة العمل ضد الجوع وعدد من الجهات الدولية لإعادة تأهيل المحطة وشبكات المياه ضمن مدينة الحسكة. كما أكدت الوزارة أنها ستعمل على تفعيل التحكم بالمياه لمواجهة التعديات على خط المياه الممتد بين خزاني علوك والحمة ومعالجة الأعطال والملحقات التي يجب استبدالها قبل الوصول إلى التشغيل الكامل. شريان الحياة للحسكة. تعتبر محطة مياه علوك من أهم مرافق المياه في شمال شرق سوريا، حيث تقع في الريف الشرقي لمدينة رأس العين. ويضم نحو 34 بئراً ارتوازياً، ومحطة تجميع رئيسية، تضخ المياه لمسافة 67 كيلومتراً تقريباً، وتصل إلى خزانات الحامة غرب مدينة الحسكة، ومنها إلى أحياء المدينة ومدينة تل تمر وغيرها من المناطق. لكن هذا الشريان الحيوي خرج عن الخدمة عدة مرات منذ عام 2019، عقب عملية “نبع السلام”، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وتعطل خطوط التشغيل، ما تسبب في توقف الضخ لفترات طويلة، وتحولت أزمة المياه إلى واحدة من أبرز القضايا الإنسانية في المحافظة. ومع كل انقطاع جديد، تتضاعف معاناة السكان، حيث يضطر معظمهم إلى الاعتماد على شراء المياه من الصهاريج أو استخراجها من الآبار المنزلية، على الرغم من التكاليف الباهظة والمخاوف الصحية المرتبطة بنوعية تلك المياه. بين الخزان والحنفية، لم تكن أزمة المياه بالنسبة لسكان الحسكة مجرد انقطاع في الخدمة العامة، بل تحولت إلى عبء يومي يعيد تشكيل تفاصيل الحياة داخل المنازل. أصبح لكل عائلة جدول خاص لشراء المياه، وأصبح وصول الخزان حدثا ينتظره الجميع، فيما تغيرت أبسط العادات اليومية، من الاستحمام وغسل الملابس إلى تنظيف المنازل. يقول محمود الأحمد، أحد سكان حي غويران، إن عائلته لم تعد تتذكر آخر مرة اعتمدت فيها بشكل ثابت على شبكة المياه العامة. وأضاف لعنب بلدي: “كنا نستيقظ كل صباح لنبدأ رحلة جديدة للبحث عن صاحب ناقلة، وأحيانًا كنا ننتظر ساعات حتى يصل، وأحيانًا يقول لنا أن جميع طلباته محفوظة، فنضطر للبحث عن شخص آخر أو الاقتراض من أحد الجيران”. وأوضح أن الماء أصبح العنصر الأكبر في نفقات الأسرة، مضيفاً: “اضطررنا خلال السنوات الماضية إلى تأجيل شراء العديد من الاحتياجات المنزلية حتى نتمكن من دفع ثمن المياه، ولم نعد نفكر في شراء ملابس جديدة أو إصلاح بعض الأثاث، لأن الأولوية أصبحت ملء الخزان”. وأشار إلى أن الأزمة لم تكن مالية فقط، بل تركت أثرا نفسيا على أفراد الأسرة، خاصة الأطفال، الذين كانوا يسألونه باستمرار عن موعد عودة المياه. وقال: “أصعب ما في الأمر أنني لم يكن لدي إجابة. اليوم، عندما سمعنا عن بدء الحقن التجريبي، شعرنا لأول مرة منذ سنوات أن نهاية هذه المعاناة قد تكون قريبة. كل ما نأمله هو ألا تكون مؤقتة”. أما هناء مصطفى، من سكان حي النشوة، فقالت إن العائلات لا تعاني فقط من ارتفاع أسعار المياه، بل من القلق المستمر على جودتها. وأضافت: “كنا نضطر في كثير من الأحيان إلى استخدام مياه الآبار، وكانت مالحة أو متغيرة اللون بعد أيام في الخزان، وكنا نخشى استخدامها للشرب أو إعداد الطعام، لذلك كنا نشتري مياه الشرب وغيرها من المياه للاستخدام المنزلي، مما ضاعف النفقات”. وتابعت: “ارتفاع درجات الحرارة كان يزيد من حدة الأزمة، واحتياجات الأطفال من المياه كانت تتزايد، فيما كانت أسعار الصهاريج ترتفع باستمرار، وكنا نوفر كل شيء، حتى كمية المياه المستخدمة للاستحمام أو غسل الملابس”. وأضافت أن الإعلان عن الضخ التجريبي جلب بعض الطمأنينة للعائلات، قائلة: “أتمنى أن يعود أطفالي إلى مياه الشبكة الصالحة للشرب كما كنا نفعل من قبل، دون خوف من تلوث المياه أو التفكير يومياً في كيفية تأمينها”. من جانبها، قالت سميرة خالد، من سكان حي تل حجر، إن أزمة المياه غيرت نمط الحياة داخل منزلها بشكل كامل. وأضافت: “بدأنا بحساب استهلاك كل لتر من الماء، ونؤجل غسل الملابس حتى تمتلئ الغسالة بالكامل، ونعيد استخدام بعض الماء لتنظيف الأرضيات أو سقي النباتات. حتى الأطفال تعلموا الاقتصاد في استخدام المياه لأنهم يعلمون أن الخزان قد يفرغ في أي لحظة”. وتابعت: “أقسى اللحظات كانت عندما طلب الأطفال الاستحمام في الأيام الحارة، ولم نتمكن من ذلك خوفا من نفاذ المياه قبل وصول الناقلة. كان الشعور بالعجز في تلك اللحظات أصعب من أي شيء آخر”. وترى سميرة أن عودة محطة علوك إلى العمل تمثل استعادة جزء من الحياة الطبيعية، مضيفة: “لا نريد لأطفالنا أن يعيشوا التجربة التي عشناها طوال هذه السنوات، فالماء ليس رفاهية، بل حق أساسي”. أما عبد الله السالم، أحد سكان حي الصالحية، فقال إن الأزمة أرهقت الأسر مادياً ونفسياً. وأضاف: “أنفقنا مبالغ كبيرة على الخزانات، ثم اكتشفنا في كثير من الأحيان أن المياه غير نظيفة، مما تسبب في ظهور رواسب وأعطال في الخزانات والتركيبات المنزلية، واضطررنا إلى دفع تكاليف إضافية لإصلاحها”. وأشار إلى أن الحديث عن الضخ التجريبي أعاد الأمل للمدينة، موضحاً: “منذ سنوات لم أرى الناس يتداولون الأخبار بهذه السرعة. الجميع يتحدث عن المياه، ويتساءل متى ستصل إلى منزله. النجاح الحقيقي لن يكون فقط في البدء بالضخ، بل في مواصلته، حتى لا يضطر أحد إلى مطاردة الصهاريج أو القلق من نفاد الخزان”. اختبار النجاح رغم موجة التفاؤل التي سادت أهالي الحسكة عقب الإعلان عن بدء الضخ التجريبي، إلا أن الكثيرين يتعاملون مع هذه الخطوة بحذر، إذ سبق أن شهدت المدينة محاولات لإعادة تشغيل المحطة، انتهت بانقطاعات جديدة بسبب مشاكل في الكهرباء أو خلل فني. ويأمل الأهالي أن تكون المرحلة الحالية مختلفة، وأن تنجح الجهات المعنية في استكمال أعمال التأهيل وإعادة المحطة إلى طاقتها التشغيلية الكاملة، بما يضمن استقرار ضخ المياه إلى المدينة بشكل دائم. وفي حال نجاح التجربة الحالية، فإن ذلك لن يعني فقط عودة الخدمة العامة، بل سيشكل نهاية فصل طويل من المعاناة التي يعيشها مئات الآلاف من السكان، الذين اضطروا لسنوات إلى مطاردة صهاريج المياه، والاعتماد على آبار مجهولة الجودة، وإنفاق جزء كبير من دخلهم لتأمين مورد لا غنى عنه للحياة. بالنسبة للعديد من العائلات في الحسكة، فإن عودة المياه إلى الصنابير ليست مجرد حدث خدمي، بل هي لحظة انتظروها منذ سنوات، لأنها تعني عودة بعض الاستقرار إلى حياتهم اليومية، وتحررهم من العبء الذي يرافقهم كل صباح، عندما فتحوا الصنبور على أمل عودة المياه، لكنهم لم يجدوا سوى الصمت. متعلق ب



