اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-26 18:14:00
وبينما تنقطع اللحوم عن موائد الكثير من السوريين تحت ضغط ارتفاع الأسعار، تبدأ شحنات «لحم الضأن» بالخروج من البلاد إلى الأردن. ولا تتعلق المفارقة بحركة تجارية عابرة، بل بقرار اقتصادي يتقاطع بشكل مباشر مع أزمة الواقع المعيش، حيث تتحول المادة الغذائية الأساسية إلى سلعة مؤجلة أو مستبعدة. وفي ظل غياب إعلان سوري رسمي واضح، يتحول النقاش من كونه نقاشاً فنياً إلى سؤال مباشر حول الأولويات: لصالح من يدار السوق، ولصالح من؟ زيادة الصادرات.. انخفاض الاستهلاك. كشف وزير الزراعة الأردني صائب خريسات، أن بلاده تعاقدت على استيراد 400 طن من اللحوم الحمراء المذبوحة (لحم الضأن) من سوريا، مؤكدا أن الشحنات بدأت بالفعل بدخول الأسواق الأردنية. وأوضح أن الأردن يغطي نحو 40% من احتياجاته محليا ويستورد الباقي، وذلك في إطار جهوده لتعزيز احتياطياته الاستراتيجية وضبط الإمدادات. يأتي ذلك بعد استئناف الاستيراد من مسلخ الزبلطاني بدمشق عبر المنصة الإلكترونية المعتمدة، ما يشير إلى مسار منظم للتبادل التجاري وليس عملية استثنائية عابرة. لكن هذا المسار يتقاطع مع واقع مختلف داخل سوريا، حيث يتراجع استهلاك اللحوم بشكل كبير، ولم تعد جزءا ثابتا من السلة الغذائية لشريحة واسعة من السكان. سوق اللحوم في الزبلطاني. أيار 2025 (انترنت) في أسواق دمشق ومدن أخرى، أصبح شراء اللحوم قراراً مؤجلاً لدى العديد من العائلات، أو ملغى تماماً لصالح بدائل أقل تكلفة. ولا يرتبط هذا التراجع في الاستهلاك بتغير العادات الغذائية، بل بانكماش القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي زيادة في الطلب الخارجي عامل ضغط إضافي على سوق تعاني بالفعل من الهشاشة. اعتراضات: من يقرر ولمن؟ وانتقدت جمعية حماية المستهلك في سوريا عملية التصدير، مؤكدة أنها علمت بها عبر وسائل الإعلام الأردنية، دون أي تنسيق رسمي معها. وأشار نائب رئيس الجمعية ماهر الأزعط إلى أن تصدير اللحوم، وخاصة لحوم العواس، يأتي في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية تضخما حادا وارتفاعا غير مسبوق في الأسعار. بحسب ما قاله لصحيفة عنب بلدي. وترى الجمعية ضرورة إعطاء الأولوية لتأمين احتياجات السوق الداخلي قبل التوجه إلى التصدير، خاصة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم البيضاء والحمراء. وتشير إلى مفارقة لافتة: تصدير اللحوم الطازجة مقابل استيراد اللحوم المجمدة بهدف تخفيف الضغط على السوق المحلية. بحسب ما نقلته الصحف المحلية. وهذا التوجه، بحسب الانتقادات، لا يعكس فقط خللاً في ترتيب الأولويات، بل يشير إلى فجوة بين صاحب القرار والواقع المعيش. ولا يظهر المستهلك في هذه المعادلة كطرف يراعى وضعه بقدر ما يتحمل تبعات قرارات لا يشارك في صياغتها. الأسعار تتجاوز السقوف الرسمية. تشهد الأسواق السورية ارتفاعاً حاداً في أسعار اللحوم منذ بداية شهر رمضان، مما أبعدها عن متناول شرائح واسعة من السكان. وفي حين أن السعر الرسمي لكيلو لحم الخروف محدد بـ 190 ألف ليرة سورية، فإن سعره الفعلي يصل إلى نحو 250 ألف ليرة سورية. أما اللحوم بالعظم، فتراوح بين 160 و165 ألف ليرة، وهو ما يتجاوز السقف المحدد رسمياً. ولا يُقرأ هذا الفارق بين السعر الرسمي وسعر التداول على أنه حالة استثنائية، بل كمؤشر على خلل هيكلي في السوق. ويجد الجزارون، تحت ضغط تكاليف الشراء والنقل والتشغيل، أنفسهم مجبرين على تجاوز الأسعار الرسمية، فيما يفقد المستهلك القدرة على مواكبة هذه الزيادات. والنتيجة المباشرة هي انسحاب اللحوم تدريجياً من الاستهلاك اليومي، وتحولها إلى سلعة موسمية أو نادرة على موائد الكثير من الأسر. ومع استمرار هذا الاتجاه، لن تظل اللحوم مجرد مادة غذائية، بل ستصبح مؤشرا دقيقا لمستوى الدخل الحقيقي وقدرة السوق على تلبية الاحتياجات الأساسية. حسابان رسميان وسؤال واحد: نفت الهيئة العامة للموانئ والجمارك السورية صدور أي قرار جديد يسمح بتصدير اللحوم، مؤكدة أن التصدير مسموح منذ فترة. لكنها في الوقت نفسه، أجلت الرد على الأسئلة المتعلقة بحجم الصادرات وآليات التنسيق وتقييم تأثيرها على السوق المحلية. بحسب ما نقلته عنب بلدي. دون أي تصريح أو تعليق عبر حسابها الرسمي. من جهة أخرى، تواصل الجهات المعنية إصدار قرارات لتنظيم الاستيراد والتصدير بناء على معطيات السوق، بما في ذلك منع استيراد بعض المنتجات الزراعية حفاظا على الإنتاج المحلي. وهذا التناقض بين الاعتراف بوجود تصدير فعلي وغياب توضيح سياساته يترك فراغاً في تفسير ما يحدث. والنتيجة هي تعدد الروايات دون إطار رسمي يجمعها، ما يعمق الغموض حول كيفية اتخاذ القرارات الاقتصادية في سوريا. ضغوط إضافية على السوق الهشة. ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن تصدير اللحوم في هذا الوقت يعكس خللاً في إدارة السوق، خاصة في ظل غياب إعلان سوري واضح يوضح خلفيات القرار. ويضع هذه الخطوة في سياق أزمة مزدوجة تشمل ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع النقدية، ما يؤدي إلى تفاقم الضغوط على معيشة السكان. وبحسب تقديره، فإن تصدير نحو 400 طن، أي ما يعادل نحو 8 آلاف رأس من الأغنام، من شأنه أن يقلل المعروض في السوق المحلية، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع. ولا يبقى هذا النقص النسبي في العرض مقتصرا على سوق اللحوم، بل يمتد تأثيره إلى السلوك الاستهلاكي بشكل عام، حيث تتجه الأسر إلى بدائل أقل تكلفة، مما يعيد تشكيل أنماط الطلب على الغذاء. كما يشير إلى أن زيادة الاعتماد على الواردات لتعويض النقص قد يزيد الطلب على الدولار، وهو ما سينعكس بدوره على سعر الصرف وأسعار السلع الأخرى. وبهذا المعنى، فإن القرار لا يبقى مقتصراً على قطاع معين، بل يتحول إلى عامل ضغط إضافي على الاقتصاد ككل. ويحذر الكريم من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب، وإبطاء تعافي قطاع الثروة الحيوانية، في وقت يحتاج فيه السوق إلى سياسات تعزز استقراره ولا تزيد من تقلباته. كيف ارتفعت الأسعار؟ ويعود ارتفاع أسعار اللحوم في سوريا إلى مزيج من انخفاض أعداد الماشية وارتفاع تكاليف إنتاجها، في ظل تراجع الدعم الحكومي. قبل عام 2011، كان لدى سوريا ما بين 17 و25 مليون رأس من الأغنام، وأكثر من 1.1 مليون رأس من البقر، ونحو 2.3 إلى 2.5 مليون رأس من الماعز، قبل أن تنخفض هذه الأعداد بشكل كبير خلال سنوات النزاع، حيث انخفض عدد الأغنام من نحو 18.1 مليون إلى نحو 13.7 مليون رأس (نحو 24%)، والأبقار إلى نحو 767 ألف رأس (نحو 30%)، والماعز إلى نحو 1.8 مليون رأس. وتشير تقديرات أخرى إلى خسائر أكبر، مع خسارة ما يصل إلى 50-55% من قطيع الأغنام وحوالي 40% من الماشية في ذروة الحرب. وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت تكاليف التربية بشكل حاد، حيث أصبح العلف يمثل الآن نحو 70% من التكلفة الإجمالية، في وقت تراجع فيه الدعم الحكومي، الذي خفف جزءاً من هذا العبء. ومع غياب برامج الدعم الفعالة في مجالات التمويل والخدمات البيطرية، غادر عدد كبير من صغار المربين السوق، مما أدى إلى تقليص قاعدة الإنتاج الفعلية. كما ساهمت عوامل إضافية، مثل التهريب والبيع القسري وتدهور المراعي نتيجة الجفاف، في تفاقم هذا الانخفاض. وبالتالي، لم يعد القطاع يعاني فقط من تراجع عددي، بل أيضاً من تراجع الإنتاجية وارتفاع التكاليف، وهو ما جعل السوق أكثر هشاشة وأكثر عرضة لارتفاع الأسعار مع أي ضغط إضافي على العرض. تأثير داعش على مربي الأغنام في البادية السورية. (مونتي كارلو الدولية) قبل عام 2011، كانت تربية الماشية في سوريا موزعة وفق نمط جغرافي واضح، حيث تركزت تربية الأغنام، وخاصة سلالة العواسي، في المناطق الصحراوية والأطراف شبه القاحلة، خاصة في حمص وحماة ودير الزور والرقة والحسكة، حيث وفرت المراعي الطبيعية ومسارات الحركة الموسمية بيئة مناسبة لتربية القطعان الكبيرة. وشكل هذا التوزيع توازنا وظيفيا بين الإنتاج الرعوي الواسع والإنتاج شبه المستقر، قبل أن يتعرض لاختلالات حادة خلال سنوات الحرب. وإلى جانب العوامل الاقتصادية، لعبت التطورات الأمنية في الصحراء دورا مباشرا في الحد من نشاط تربية الماشية. وشهدت مناطق الرعي الرئيسية في وسط وشرق البلاد، خاصة في بادية حمص ودير الزور، هجمات متكررة نفذها تنظيم داعش استهدفت الرعاة والمربيين، أدت في بعض الأحيان إلى سرقة القطعان أو قتل أصحابها. ودفعت هذه الهجمات العديد من المربين إلى تقليل تحركاتهم أو الامتناع عن دخول مناطق الرعي التقليدية، مما حد من الاستفادة من المراعي الطبيعية وزيادة الاعتماد على الأعلاف عالية التكلفة. ومع تكرار هذه الحوادث، تراجعت أنماط الرعي الموسمية التي شكلت أساس استدامة القطاع، ما ساهم في تسريع تراجع الثروة الحيوانية، خاصة في المناطق الصحراوية التي كانت تعتبر الخزان الرئيسي للأغنام في الدولة. في النهاية، لا تبدو قضية تصدير اللحوم وكأنها حدث منعزل، بل هي جزء من نمط أوسع: الإنتاج يتحول إلى الخارج، والسوق المحلية تتقلص قدرتها على الاستهلاك. ومع غياب الوضوح في السياسات، تتكرر المفارقة ذاتها، إذ تتسع المسافة بين التصريحات الرسمية عن تحسين الدخل والمعيشة، وبين ما يمكن أن يصل فعلياً إلى موائد الناس.




