اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-24 00:02:00
لا يزال الجدل مستمرًا بشأن قرار محافظة دمشق تنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية، في ظل التناقض بين الرواية الرسمية التي تصفه بـ”الإجراء التنظيمي”، والتفسيرات القانونية والحقوقية التي تعتبره إساءة للسلطة وتدخلًا في الحريات الشخصية. ومع تصاعد الجدل، تحول القرار إلى قضية رأي عام تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والدستورية مع الاعتبارات الاجتماعية. ما هو محتوى القرار؟ وفي 15 مارس/آذار، أصدرت المحافظة قرارا بمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية، وتحويل رخص الحانات إلى مقاهي، وقصر بيع المشروبات الكحولية “المختومة” على ثلاثة أحياء محددة: باب توما، والقصاع، وباب شرقي، بشروط جديدة. ومنحت المحافظة مهلة ثلاثة أشهر للمحال التي تمارس مهنة بيع المشروبات الكحولية “مختومة” ضمن مدينة دمشق لتسوية أوضاعها وفق الأحكام الجديدة. وأثار القرار موجة من الانتقادات الواسعة، أبرزها ما صدر عن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، التي اعتبرت أن القرار “يمس بالتنوع الاجتماعي والثقافي الذي تتميز به سوريا”. لكن خلال أيام قليلة، تصاعدت الانتقادات، مما دفع محافظة دمشق إلى إصدار توضيح موسع، في 21 آذار/مارس الماضي، أكدت فيه أن القرار ليس جديداً، بل يستند إلى تشريعات سابقة، أبرزها مرسوم 1952. ونفت ما تردد عن استهداف مناطق باب توما والقصى وباب شرقي، مؤكدة أنها “أيقونة هوية العاصمة وثقافتها”، على حد تعبير المحافظة. وهذا التوضيح لم يخفف من حدة الجدل، بل فتح الباب لنقاش أوسع حول شرعية القرار وحدود سلطة الإدارة وتداعياته على الحريات والتنوع الاجتماعي. “خارج حدود الاختصاص” يشكل تحديد نطاق صلاحيات المحافظ نقطة محورية في تقييم القرار، حيث يطرح التساؤل حول ما إذا كان قرار محافظة دمشق يندرج في إطار الإجراء الإداري، أم أنه يتجاوز ذلك إلى مستوى فرض قواعد عامة ذات طابع تشريعي. وفي هذا السياق أوضح الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني أن القرار الصادر عن محافظة دمشق بتحديد مناطق محددة لبيع المشروبات الكحولية وإلغاء بعض الأنشطة يعتبر قراراً إدارياً يخضع لمبدأ الشرعية، أي يجب أن يتوافق مع القوانين النافذة وحدود الاختصاص الممنوح للإدارة. وبالعودة إلى أحكام قانون الإدارة المحلية رقم 107 لسنة 2011، بحسب الكيلاني، يتبين أن المحافظ يمارس صلاحيات تنفيذية تقتصر على تنفيذ القوانين وإدارة المرافق العامة، دون أن تكون له صلاحية وضع قواعد عامة مجردة أو فرض قيود تمس الحقوق والحريات. وعليه، فإن إصدار قرار يتضمن لائحة عامة تمس حرية العمل أو النشاط الاقتصادي يتجاوز حدود الاختصاص ويعتبر إساءة للسلطة، بحسب ما أكد الكيلاني لعنب بلدي. من جهته، اعتبر مدير منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بسام الأحمد، أن القرار “غير قانوني من الأساس”، لأنه لا يستند إلى أي نص فعال يجيز هذا النوع من القيد، مؤكداً أنه “لا يحق لأي جهة سواء المحافظة أو حتى الوزارة إصدار قرار يمس الحريات الأساسية دون سند قانوني صريح”. وأوضح الأحمد أن المخالفة لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى التناقض الواضح مع الإعلان الدستوري، خاصة المادة 12 التي تنص على أن الدولة تكفل حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وقال الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، إن القرار يمس هذه الحريات بشكل مباشر، ما يجعله انتهاكًا واضحًا للمبادئ الدستورية التي من المفترض أن تكون المرجعية في المرحلة الانتقالية. استناداً إلى مرسوم 1952.. قراءة قانونية مختلفة. واستندت المحافظة في توضيحها إلى المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1952، معتبرة إياه الأساس القانوني لتنظيم بيع المشروبات الكحولية. لكن الخبير القانوني المعتصم الكيلاني يقدم قراءة مختلفة، موضحا أن المرسوم حدد شروط الترخيص وبعض القيود المتعلقة بموقع الأحياء وطبيعتها، لكنه لم يمنح الإدارة صلاحية فرض الحظر الشامل أو إعادة توزيع النشاط جغرافيا. ويعتبر أن القرار الحالي “يتجاوز نطاق التنظيم لإعادة صياغة القاعدة القانونية نفسها”، وهو ما يشكل تعديلا ضمنيا للتشريع، وهو أمر يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية حصرا، ما يجعل القرار ملوثا بعيب مخالفة القانون. أما بسام الأحمد، فيربط هذه القضية بمشكلة أوسع تتعلق بالانتقائية في استخدام القوانين، قائلا إن «السلطة تلجأ أحيانا إلى القوانين القديمة عندما تخدم توجهاتها، وتتجاهلها عندما لا تناسبها»، مؤكدا أن المرجعية في المرحلة الحالية يجب أن تكون إلى الإعلان الدستوري، وليس إلى النصوص المتوارثة المختلفة. “تقييد الحريات الشخصية” وسرعان ما تحول القرار إلى قضية حقوقية، مع اتهامات بأنه يقيد الحريات الشخصية الفردية، وهو ما يتناقض مع الإعلان الدستوري للفترة الانتقالية. ويرى المعتصم الكيلاني أن القرار يمس مجموعة من الحقوق الأساسية، أبرزها حرية العمل وحرية النشاط الاقتصادي، إضافة إلى الحرية الشخصية ومبدأ المساواة، موضحا أن هذه الحقوق “لا يجوز تقييدها إلا بموجب قانون، وبما يحقق حدود الضرورة والتناسب”. أما فرض هذه القيود بقرار إداري، فيعتبر انتهاكا لمبدأ سيادة القانون، وخروجا عن الإطار الدستوري، بحسب ما أضاف الكيلاني. ويتقاطع هذا الطرح مع ما قاله مدير منظمة سوريون من أجل العدالة والحقيقة، بسام الأحمد، الذي أكد أن المادة 12 من الإعلان الدستوري واضحة في ضمان الحريات الأساسية، معتبرا أن القرار “يمثل مخالفة مباشرة لهذه المادة”، وأن “الدولة ملزمة بحماية الحريات وليس الحد منها”. تداعيات على النسيج الاجتماعي من أكثر جوانب القرار إثارة للجدل هو حصر بيع المشروبات الكحولية في أحياء محددة ذات خصوصية دينية واجتماعية (أغلب سكانها مسيحيون). وهنا قال الحقوقي المعتصم الكيلاني إن هذا الإجراء يطرح إشكالية قانونية تتعلق بمبدأ المساواة، إذ قد يفسر على أنه تمييز غير مباشر، من خلال تحميل مناطق معينة عبء نشاط معين دون غيرها. ويؤكد أن “ربط النشاط الاقتصادي بهوية المنطقة أو تركيبتها الديمغرافية يفتح الباب أمام تحديات قانونية خطيرة”. أما الأحمد فيركز على البعد المجتمعي، معتبراً أن القرار يخلق “وصماً” لمناطق معينة ويعيد إنتاج صور نمطية قديمة، وهو ما وصفه بـ”خطأ كبير في مرحلة انتقالية من المفترض أن تعزز التلاحم الاجتماعي”. وقال الأحمد، إن “تصنيف المناطق كأماكن لنشاط معين قد يؤدي إلى ربطها بسلوكيات اجتماعية سلبية، ما له انعكاسات خطيرة على النسيج المجتمعي”. “التوضيح” ليس له أي أثر قانوني. وبررت المحافظة قرارها بالحفاظ على الآداب العامة والحد من الفوضى، بما في ذلك انتشار المحلات التجارية غير المرخصة. لكن الكيلاني يوضح أن ما يصدر عن الإدارة تحت مسمى “الإيضاح” لا يغير من الوضع القانوني للقرار إلا إذا تضمن إلغاء صريحا أو تعديلا حقيقيا لمضمونه. وبحسب الكيلاني، فإن ما يهم في القرارات الإدارية هو مضمونها وآثارها القانونية، وليس اسمها أو لفظها. ولذلك فإن إعادة طرح القرار بصيغة مختلفة مع بقاء أثره يجعله مشوباً بعدم الشرعية. ويجوز للإدارة أن تبني قرارها على اعتبارات تتعلق بالنظام العام أو الخصوصية الاجتماعية، وهي أهداف مشروعة من حيث المبدأ. إلا أن شرعية الهدف ليست كافية في حد ذاتها، إذ يجب أن تكون الوسائل المستخدمة قانونية ومتناسبة وصادرة عن جهة مختصة. ولذلك، بحسب الكيلاني، فإن النوايا الطيبة لا تضفي شرعية على قرار مخالف للقانون. بدوره، أشار بسام الأحمد إلى أن عدم وجود محكمة دستورية عليا مستقلة يشكل أحد أبرز أسباب استمرار مثل هذه المشاكل، مؤكدا أهمية وجود جهة قضائية قادرة على الفصل في دستورية القوانين والقرارات الإدارية، وإبطال كل ما يتعارض مع أحكام الإعلان الدستوري. الاحتجاجات.. مؤشر قانوني واجتماعي تظاهر مئات الناشطين السوريين في دمشق، في 22 آذار/مارس الماضي، احتجاجاً على قرار المحافظة رقم 311م المتعلق بتنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية، وللتأكيد على احترام الحريات الشخصية وفق ما تضمنه الإعلان الدستوري. وبحسب مراسل عنب بلدي، فقد توافد نحو 200 شخص من مختلف الطوائف السورية على ساحة “باب توما” في الأحياء القديمة بدمشق، للمطالبة بإلغاء القرار. وشدد المتظاهرون على عدم التدخل في الحريات الشخصية، ودراسة القرارات قبل صدورها من المسؤولين الحكوميين، وخاصة المحافظين. الكاتب عمار ديوب أكد لعنب بلدي أن الموقف جاء رفضًا للقرار الصادر عن المحافظة، والذي اعتبره “انتهاكًا للحريات الشخصية والعامة”. وقال إن القرار يتدخل في شؤون الناس الفردية ويفرق بين الطوائف والأحياء، وإن “دمشق وسوريا تخلصتا من هذا التمييز قبل قرن من الزمن”. أما الدكتور هيثم العطواني، أستاذ المنطق العلمي، أوضح أن القرار الذي اعتبره “جائرا” هو جزء من سلسلة قرارات “تعسفية”، وعزا أسباب القرارات إلى أمرين: “الجهل” وعدم استشارة الآخرين. البعد القانوني لانتهاك الحريات. ويرى الحقوقي المعتصم الكيلاني أن الاحتجاجات تعكس شعورا عاما بانتهاك الحقوق أو بوجود تمييز، وهو ما يعطيها بعدا قانونيا يتعلق بحرية التعبير والتجمع السلمي. كما أنه مؤشر على وجود خلل بين القرارات الإدارية ومتطلبات العدالة والمساواة، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر فيها ضمن الأطر القانونية. أما الأحمد، فيعتبر هذه التحركات “دليلا على رفض مجتمعي واسع للقيود على الحريات”، مشيرا إلى أن تصويرها على أنها مرتبطة بمسألة الكحول فقط هو “تبسيط معيب”، لأن جوهرها يتعلق بالحريات الأساسية. المسار القانوني والإصلاحات المطلوبة في ظل الجدل المستمر، يبرز المسار القانوني كأحد الخيارات المطروحة. ويوضح الكيلاني أن الاستئناف أمام مجلس الدولة هو الطريقة الأنسب لإلغاء القرار، انطلاقا من عيب مخالفة القانون وتجاوز السلطة. كما يمكن اللجوء إلى المسار الإداري بطلب سحب القرار أو تعديله، بالإضافة إلى تفعيل الدور الحقوقي في توثيق الآثار والمطالبة بالالتزام بمبدأ سيادة القانون. في المقابل، يؤكد بسام الأحمد على إلغاء القرار وكافة القرارات المماثلة التي تمس الحريات الأساسية، وضرورة إصلاحات قضائية حقيقية تنهي حالة “الانتقائية” في تطبيق القوانين، بحيث لا يتم التعامل معها وفق ما يتوافق مع توجهات السلطة، بل ضمن إطار قانوني ودستوري واضح وموحد. متعلق ب

