سوريا – عمريت… كنز الساحل السوري المدفون

اخبار سوريا19 يوليو 2026آخر تحديث :
سوريا – عمريت… كنز الساحل السوري المدفون

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-19 18:55:00

عنب بلدي – شعبان شامية على بعد سبعة كيلومترات فقط جنوب مدينة طرطوس، حيث تمتزج مياه البحر الأبيض المتوسط ​​برمال الساحل السوري، يرتفع نبض التاريخ ليروي قصة عمريت، المدينة الفينيقية الاستثنائية التي لا تزال تنفث عبق الماضي وتشهد على حضارة صاغت أبجدية التجارة والحياة بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. لم تكن عمريت (ماراتوس القديمة) مجرد امتداد جغرافي لمدينة أرواد التاريخية الواقعة في البحر، بل كانت تشكل رئة برية، ومركزاً روحياً وثقافياً واقتصادياً نابضاً بالحياة. ويقف هذا الموقع الأثري اليوم كأحد أهم المعالم السياحية والثقافية في محافظة طرطوس، ليشكل صورة تجمع بين سحر الطبيعة الساحلية الخلابة والتراث الإنساني العريق، ووجهة لا غنى عنها لعلماء الآثار والباحثين والسياح الشغوفين باكتشاف أسرار الحضارة الفينيقية التي انبثقت من هذه الشواطئ لتنير العالم القديم. جسر الفلسفة والتجارة بين الشرق والغرب، المختص في التاريخ الاجتماعي والثقافي والعمراني الحديث، الدكتور رفعت عثمان، قال في حديث إلى عنب بلدي إن عمريت لم تكن مجرد مدينة عابرة، مشيرًا إلى أنها عرفت في عهد الإسكندر الأكبر باسم “ماراتوس”، وهو الاسم الذي خلدته المصادر اليونانية والرومانية القديمة في صفحاتها. وأشار الدكتور عثمان إلى أن هذه المدينة كانت تابعة مباشرة لمملكة أرواد التي كانت تعتبر من أهم الحواضر والمدن الفينيقية على الساحل السوري. وفي خضم ذلك التاريخ، شهدت “ماراتوس” مجدًا وازدهارًا استثنائيين، حيث تولى الفينيقيون في ذلك الوقت زمام التبادلات التجارية في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، وشكلوا شبكة من العلاقات الوثيقة بين اليونان والمدن الشرقية. ولم يقتصر دورهم على تصدير البضائع، بل كانوا سفراء الفكر، ينقلون إلى اليونانيين أفكار الشرقيين الفلسفية والدينية، وطرق معيشتهم الغنية، وكتاباتهم، وصناعاتهم المبتكرة. الكنز المدفون من الفارسية إلى البيزنطية. هذا الثراء الثقافي والموقع الاستراتيجي جعل عمريت محط اهتمام الإمبراطوريات، حيث أوضح عثمان أن الموقع تعرض على مر العصور لعدة تغيرات سياسية كبيرة، نتيجة موجات الاستيطان المتعاقبة في المنطقة خلال العصور الفارسية والهلنستية والرومانية، وصولا إلى العصر البيزنطي، مما ترك فيه طبقات متراكمة من التاريخ الإنساني الفريد. وهذا التراكم التاريخي جعل من الموقع كنزًا مدفونًا تطلب عقودًا من البحث الميداني والجهود القانونية لكشف أسراره وحمايته. انطلقت أولى الحفريات الأثرية المنظمة في الموقع عام 1926، على يد عالم الآثار الفرنسي موريس دونان، الذي كشف عن أولى معالم المدينة الفينيقية. ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، إذ تولت البعثات الأثرية الوطنية إدارة الموقع بأكمله عام 1954، لتبدأ مرحلة جديدة من التنقيب بأيدي محلية، نتج عنها تسجيل عمريت رسميا كموقع أثري لأول مرة عام 1959. ومع تجلّي الأهمية الاستثنائية للمكان، تم تسجيله بالكامل كموقع أثري عام 1988، ليؤكد قيمته التاريخية العالمية ككتلة واحدة غير قابلة للتجزئة، قبل أن تتوج هذه العملية القانونية صدور القرار العام. عام 2005 بتوسيع حدود المنطقة الأثرية المحيطة بعمريت، في خطوة حاسمة تهدف إلى حماية المعالم التاريخية من الزحف العمراني وضمان الحفاظ على قدسية هذا التراث الإنساني ليبقى شاهداً حياً للأجيال القادمة. كما يكتسب معبد “ملقارت” الفريد ورحلة الاكتشافات إلى متحف “اللوفر” عمريت أهمية استثنائية من خلال المعالم المعمارية الفريدة التي يحتويها. وقد نجحت بعض لقىها واكتشافاتها الأثرية في حجز مكانة بارزة لها ضمن كبريات المتاحف العالمية، مثل متحف “اللوفر” في فرنسا، بالإضافة إلى المتحف “الوطني” بدمشق، ومتحف “طرطوس”، كدليل حي على عبقرية تلك الحضارة. وفي مقدمة هذه المعالم يبرز المعبد الفينيقي الذي يعد بحسب الدكتور عثمان من أشهر وأبرز المعابد المكتشفة في بلاد الشام، حيث يعود تاريخ بنائه إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهو فريد في هندسته المعمارية القائمة على منصة حجرية ضخمة تتوسط حوض مائي كبير. ويتقدم بابها الكبير مذبح صغير مخصص لتقديم القرابين. وقد خصص هذا الصرح للإله “مالقرت” الذي عرف عند الفينيقيين بأنه شافي الأمراض والأوبئة. ولا تتوقف حدود الدهشة عند أماكن العبادة، بل تمتد إلى الثقافة البدنية والترفيه من خلال الملعب الرياضي، الذي يصنف كواحد من أقدم الملاعب المعروفة في العالم القديم، مجسدا الاهتمام الكبير الذي أولىه الفينيقيون للأنشطة الرياضية. وهي متكاملة مع شبكة متطورة من القنوات والمرافق المائية التي تكشف بوضوح عن المستوى العالي والتقدم الهندسي الذي حققته هذه الحضارة في إدارة الموارد المائية. العمارة الجنائزية وأسرار الحياة بعد الموت أما الجانب الروحي الغامض لعمريت، فترويه الأبراج الجنائزية والمقابر المحفورة في الصخر، والتي توضح، بحسب ما قال الدكتور عثمان، تطور العمارة الجنائزية عند الفينيقيين، وتعبر بعمق عن معتقداتهم الدينية المتعلقة بالآخرة والحياة بعد الموت. وفي هذا الصدد، أشار عثمان إلى تفرد “مقابر عازار” التي احتوت على عدد كبير من المقابر الفردية والجماعية، بما في ذلك المقابر الأرضية، والتي عثر فيها على توابيت فخارية فريدة من نوعها منحوتة على شكل مجسمات بشرية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد. وفي مكان قريب، وتحديداً على طريق طرطوس – طرابلس، يقع القبر “الملكي”، الذي قال عثمان إنه تم نحته خلال القرن الخامس قبل الميلاد، قبل أن يعاد استخدامه في العصر الروماني خلال القرن الثالث الميلادي. وأسفرت أعمال التنقيب بداخلها عن العثور على مجموعة من اللقى الأثرية، منها رأسا تمثالين من الرخام يمثلان رجلا وامرأة، بالإضافة إلى مصباح فخارى مصنوع على شكل كبش. وتبقى هذه الاكتشافات أدلة نابضة بالحياة، تروي لزوار الساحل السوري قصة مدينة أذابت الفن والعقيدة والعلم في بوتقة واحدة. وبين الفرص الواعدة والاحتياجات الملحة، وعلى الرغم من هذه القيمة التاريخية الاستثنائية، يتمتع موقع عمريت اليوم بإمكانات هائلة وواعدة لتطوير قطاع السياحة الثقافية في سوريا، حيث يمكن استثمارها في تنظيم جولات تعليمية ورحلات مدرسية وجامعية وبرامج سياحية متخصصة في الحفاظ على التراث، فضلاً عن إمكانية استضافة معارض وفعاليات ثقافية تعرف الزوار على معالم الحضارة الفينيقية القديمة. ولا شك أن تطوير الخدمات السياحية داخل الموقع، من خلال إنشاء مراكز متقدمة للزوار، وتوفير اللوحات الإرشادية، وتفعيل الإرشاد السياحي، بالتوازي مع تحسين البنية التحتية والطرق المؤدية إليه، سيساهم بشكل مباشر في زيادة تدفق السياح، وتعزيز دور الموقع في دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل حقيقية للمجتمع المحيط. ورغم كل هذه المقومات السياحية البارزة التي يمتلكها المكان، تواجه عمريت تحديات حقيقية تفرض نفسها، تتمثل في الحاجة الملحة إلى إطلاق أعمال الصيانة والترميم الدورية والمستمرة، وإعادة تأهيل المرافق والخدمات الأساسية بما يتناسب مع قيمتها، بالإضافة إلى تكثيف جهود الترويج السياحي على المستوى المحلي والدولي. وتذليل هذه العقبات والاستجابة لمتطلبات الموقع هو الضمان الوحيد للحفاظ على هذا التراث الثقافي واستثماره بشكل مستدام يضمن بقاء المدينة الفينيقية شاهدة على التاريخ ونابضة بالحياة في قلب الساحل السوري. متعلق ب

سوريا عاجل

عمريت… كنز الساحل السوري المدفون

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#عمريت.. #كنز #الساحل #السوري #المدفون

المصدر – عنب بلدي