اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-11 21:49:00
عبد الله العلبي – صناعي وخبير في التنمية الصناعية في لحظات التحول الكبير، كالتي تمر بها سوريا حالياً، تكتسب بعض الزيارات واللقاءات الرسمية بعداً خاصاً، أكثر من كونها زيارة رسمية روتينية تنتهي بالتقاط صورة تذكارية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الزيارة التي قام بها الوفد السوري مؤخراً إلى تركيا باعتبارها إشارة مبكرة إلى تحول أعمق: تحرك محتمل من منطق التعاون التكتيكي إلى بناء شراكات صناعية ذات طبيعة استراتيجية طويلة الأمد. لقد تحول التعاون الصناعي السوري التركي منذ فترة طويلة إلى معادلة بسيطة: “الاستفادة من العمالة السورية المنخفضة التكلفة”. ورغم أن هذا الاقتراح يحمل قدراً معقولاً من الواقعية، إلا أنه يبقى قراءة جزئية لا تمس جوهر الفرصة المتاحة. ولا تكمن القيمة الحقيقية لهذا التعاون في خفض تكلفة الإنتاج، بل في القدرة على بناء نظام صناعي متكامل (Ecosystem)، تتداخل فيه الأدوار وتترابط عبر سلاسل القيمة العابرة للحدود. وهذا التحول في النهج من “الإنتاج المنعزل” إلى “الإنتاج المتكامل” هو الذي يحدد الفارق بين الاستثمار القصير الأجل والشراكة الاقتصادية المستدامة. ولا يعمل المصنع في هذا النموذج كوحدة إنتاجية منفصلة، بل كجزء من شبكة تضم الموردين والخدمات اللوجستية والصناعات المغذية ومراكز التدريب، وصولاً إلى الأسواق النهائية. وهذا هو بالضبط المكان الذي تبدأ فيه القيمة المضافة الحقيقية في التبلور. وفي هذا الإطار تبرز المناطق الصناعية السورية التركية المشتركة كأداة تنفيذية واعدة لترجمة هذا التوجه. ومن الممكن أن تتحول هذه المناطق، إذا تم تصميمها بشكل جيد، إلى منصات إنتاج عابرة للحدود، تستفيد من المزايا النسبية لكلا الطرفين، وتعيد توزيع الأدوار ضمن نموذج تكاملي وليس تنافسي. وفي هذا النموذج لا يقتصر دور المستثمر التركي على نقل خطوط الإنتاج، بل يمتد إلى بناء شبكات إمداد محلية داخل سوريا، تساهم في تغذية العملية الإنتاجية. ومن ناحية أخرى، تفتح هذه العملية الباب أمام المصانع السورية للدخول تدريجياً في سلاسل التوريد التركية، سواء لتلبية الطلب الداخلي أو للوصول إلى الأسواق العالمية. وهكذا يتحول التعاون من علاقة قائمة على التكلفة إلى شراكة قائمة على القيمة. إلا أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون وجود هيكل تمويلي قادر على مواكبته. وتتطلب المشاريع الصناعية، وخاصة في مراحلها الأولى، أدوات تمويل تتجاوز النماذج التقليدية. وهنا يتم تسليط الضوء على دور المؤسسات المالية، وأبرزها المصرف الصناعي السوري، بالإضافة إلى أدوات التمويل المهيكلة، وتمويل سلسلة التوريد، وتمويل التكنولوجيا والمعدات. ولا ينبغي أن يقتصر دور البنوك في هذه المرحلة على تقديم القروض، بل أن يتجاوز المشاركة في بناء النظام نفسه: من خلال تقييم المشاريع، وتوجيه الاستثمارات، وربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمصادر التمويل، وتعزيز ثقة المستثمرين من خلال الدخول في بيئة لا تزال في طور إعادة التشكيل. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في عدد المصانع التي يمكن إنشاؤها، بل في مدى قدرتها على خلق روابط اقتصادية داخلية وخارجية، قادرة على تحريك السوق، وتحفيز الصناعات المغذية، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة. ومن هنا، يمكن النظر إلى زيارة الوفد السوري إلى تركيا باعتبارها بداية مسار يتطلب أكثر من مجرد النوايا الحسنة: فهو يتطلب برامج عمل واضحة، ومشاريع محددة، وسياسات داعمة تضمن تحول هذا التقارب إلى بنية اقتصادية متماسكة، وليس مجرد سلسلة من المبادرات المنفصلة. إن بناء شراكة صناعية سورية تركية ناجحة يتطلب رؤية تتجاوز الحلول السريعة، نحو نموذج يقوم على التكامل والثقة وتوزيع الأدوار ضمن نظام واحد. عندها فقط يمكن أن يتحول هذا التعاون إلى رافعة حقيقية لإعادة الإعمار، بل ويتجاوزه للمساهمة في إعادة تموضع سوريا على الخريطة الصناعية الإقليمية، كشريك إنتاجي رئيسي، وليس مجرد سوق أو مصدر للعمالة.




