اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-09-10 16:41:00
محمد الهلال
في سوريا اليوم، من دمشق إلى حلب، ومن حمص وحماة إلى اللاذقية وطرطوس، ومن درعا والسويداء إلى دير الزور والرقة والحسكة والقامشلي وإدلب، تكاد الشكوى تصبح جزءًا من الروتين اليومي. الكهرباء لا تأتي كما نريد، والماء ينقطع، والطرقات تحتاج إلى إصلاح، والمواصلات أصبحت امتحانًا يوميًا للصبر، والأسعار تركض بسرعة أكبر من قدرة المواطن على اللحاق بها، والرواتب تقف في مكانها بينما كل شيء حولها يتحرك.
في المدارس والمستشفيات والجامعات والدوائر الحكومية هناك مشكلات حقيقية تحتاج إلى حلول حقيقية. وعندما تسأل المواطن السوري عن سبب هذا الواقع، غالبًا لا تحتاج إلى تحقيق طويل أو لجنة خبراء، يأتيك الجواب جاهزًا مثل فاتورة جديدة في آخر الشهر: “الحكومة هي السبب”.
وبالتأكيد، للحكومة مسؤولية كبيرة، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال استخدامها كطرف بريء يقف خارج الصورة. فالدولة مسؤولة عن توفير الخدمات، وبناء المؤسسات، ووضع الخطط الاقتصادية، ومحاربة الفساد، وتحسين التعليم والصحة، وضبط الأسواق، وتطبيق القانون على الجميع. المواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء أو ضعف المياه أو سوء الخدمات له كامل الحق في السؤال والمطالبة والمحاسبة. فالحكومة ليست جمعية خيرية تمنح الناس ما تفضل به عليها، بل هي مؤسسة وجدت أساساً لخدمة المجتمع وإدارة شؤونه.
لكن المشكلة تبدأ عندما نختصر كل مشاكل سوريا في الحكومة وحدها، وكأن بقية المجتمع يقف خارج الملعب يتابع المباراة ويصدر التعليقات فقط. وكأن المواطن لا علاقة له بما يحدث، وكأن الدولة هي فقط الوزير والمدير والمحافظ، بينما الموظف والطبيب والمعلم والمهندس والتاجر والسائق والطالب والمواطن العادي ليس لهم أي تأثير. والحقيقة التي قد لا تعجب البعض هي أن الدولة ليست مبنى حكوميًا فقط، ولا قرارًا يصدر من مكتب في دمشق، بل هي مجموع السلوكيات اليومية لملايين الناس.
فالدولة القوية لا تُبنى فقط عندما يصدر الوزير قرارًا جيدًا، بل عندما يطبقه الموظف في الدائرة، وعندما يحترمه المواطن في الشارع، وعندما يؤدي كل شخص دوره في مكانه. لأنك تستطيع أن تصدر أفضل القوانين في العالم، لكن إذا كان الموظف لا يريد تطبيقها، والمواطن يبحث عن طريقة للالتفاف عليها، فستبقى القوانين حبرًا على ورق. وربما يصبح لدينا قانون ممتاز جدًا، لكنه يحتاج إلى قانون آخر يجبر الناس على احترامه، ثم نحتاج إلى قانون ثالث لمراقبة القانون الثاني، وهكذا حتى نصل إلى قانون ينظم القوانين نفسها، وفي النهاية نكتشف أننا نسينا المشكلة الأصلية.
الكهرباء مثالًا
خذوا الكهرباء مثالًا واضحًا. المواطن السوري في دمشق أو حلب أو حمص أو دير الزور يريد الكهرباء، وهذا حقه الطبيعي. يريد أن يفتح البراد، ويشغل الغسالة، ويستخدم الأجهزة، ويدرس أبناؤه، ويعيش حياة طبيعية بدل أن يصبح خبيرًا في مواعيد التقنين أكثر من خبرته في أي مجال آخر. بعض الناس أصبح يعرف جدول انقطاع الكهرباء أكثر مما يعرف جدول مواعيد عمله، وكأن وزارة الكهرباء تحولت إلى قناة رياضية تبث مباريات يومية بين “التيار” و”التقنين”.
لكن في المقابل، هناك سلوكيات تزيد المشكلة تعقيدًا. هناك من يسرق الكهرباء، ومن يمد خطوطًا غير شرعية، ومن يتلاعب بالعداد، ومن يرفض تركيب ساعة كهرباء أصلًا، ثم عندما تنقطع الكهرباء يقف في الشارع ويقدم تحليلًا استراتيجيًا عن فشل الدولة في إدارة قطاع الطاقة. وهنا تظهر المفارقة السورية الشهيرة: يريد البعض كهرباء مستمرة، لكنه لا يريد أن يرى العداد إلا عندما يكون عند الجيران.
لا يمكن بناء شبكة كهرباء قوية إذا كان جزء من الناس يريد الخدمة مجانًا، وجزء لا يدفع، وجزء يهدر، والجميع في النهاية يطالب بالخدمة نفسها. بالطبع، الدولة مسؤولة عن تطوير القطاع وتأمين الموارد، لكن المواطن أيضاً مسؤول عن احترام المورد العام. فالذي يسرق الكهرباء لا يسرق من وزارة فقط، بل يسرق من جاره الذي ينتظر عودة التيار.
والماء قصة أكثر حساسية، وخاصة في دير الزور. فالماء هناك ليس مجرد خدمة عادية، بل مسألة مرتبطة بالحياة اليومية. أبناء دير الزور يعرفون معنى الصيف، ويعرفون أن الحرارة هناك لا تحتاج إلى نشرة جوية لتعلن حضورها؛ يكفي أن تخرج من بيتك في شهر تموز حتى تشعر أن الشمس قررت أن تكون موظفًا إضافيًا فوق ساعات الدوام. لذلك فإن حاجة الناس إلى الماء أمر مفهوم وطبيعي.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الحاجة إلى الماء إلى هدر. قد ترى في بعض أحياء دير الزور، كما في غيرها من المدن السورية، أشخاصًا يفتحون خراطيم المياه أمام بيوتهم أو محلاتهم ويرشون الشوارع والأرصفة بهدف تخفيف الحرارة. وربما يبدو الأمر بسيطًا لمن يقوم به: “مجرد قليل من الماء لتبريد الأرض”، لكن السؤال هو: قليل بالنسبة لمن؟ بالنسبة للشخص الذي يمسك الخرطوم؟ أم بالنسبة للعائلة التي تنتظر وصول الماء إلى خزانها؟ هنا تظهر مشكلة الوعي بالمصلحة العامة. فالماء الذي يخرج أمام باب محل أو بيت لا يختفي في كوكب آخر؛ هو جزء من مورد مشترك. قد يفرح صاحب المحل بأن الرصيف أصبح أبرد قليلًا، لكن ربما هناك جار ينتظر منذ ساعات ليملأ خزان منزله. قد يشعر شخص أن ما يفعله لا يؤثر، لكن عندما يقوم آلاف الأشخاص بالأمر نفسه تصبح المشكلة أكبر. والطريف المبكي في الأمر أن الشخص نفسه قد ينتهي من رش الماء أمام محله، ثم يقف بعد ساعة يشكو: “الماء مقطوع، أين الدولة؟” وهنا نحتاج أحيانًا إلى كاميرا تصور المشهد كاملًا: في الجزء الأول مواطن يحارب حرارة الإسفلت بالماء، وفي الجزء الثاني المواطن نفسه يحارب الدولة بسبب نقص المياه. وكأن الماء اختار أن يغادر الخزان ويذهب في رحلة قصيرة إلى الرصيف.
سلوكيات متكررة
ولا يعني هذا أن أهل دير الزور وحدهم مسؤولون عن المشكلة، فهذا سلوك يمكن أن يظهر بأشكال مختلفة في كل المدن. في دمشق قد يترك البعض المياه تجري بلا حاجة، وفي حلب قد يعاني حي من ضعف الضخ بينما يهدر آخرون الماء. وفي حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودرعا والرقة والحسكة وإدلب يمكن أن تجد أمثلة مشابهة. المشكلة ليست في مدينة معينة، بل في فكرة عامة: عندما نعتبر الخدمة العامة ملكًا شخصيًا لنا فقط، تبدأ المشكلة. والأمر نفسه ينطبق على النظافة. المواطن يريد مدينة جميلة ونظيفة، وهذا حقه. لكنه أحيانًا يرمي كيس القمامة بجانب الحاوية بدل وضعه داخلها، ثم يصور المكان في اليوم التالي ويكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: “انظروا إلى الإهمال!” نعم، قد يكون هناك إهمال من البلدية، لكن هناك أيضاً كيس القمامة الذي وضعه صاحب المنشور بنفسه. نحن أحيانًا نريد مدينة أوروبية، لكننا نريد أن نتعامل مع الشارع وكأنه ساحة البيت الخاصة.
وفي دمشق قد يشتكي شخص من الازدحام، ثم يوقف سيارته في منتصف الطريق لأنه يريد شراء غرض لمدة دقيقتين. وفي حلب قد يشتكي من الفوضى في الأسواق، ثم يضع بضاعته على الرصيف ويغلق طريق المشاة. وفي اللاذقية وطرطوس قد يطالب الجميع بشوارع منظمة، لكن بعض أصحاب المحلات يتعاملون مع الرصيف وكأنه امتداد مجاني لمحلهم. وفي الرقة والحسكة والقامشلي ودرعا والسويداء وإدلب تتكرر القصة بأشكال مختلفة: الجميع يريد النظام، لكن كثيرين يريدون أن يكون النظام مطبقًا على الآخرين فقط. ثم نصل إلى الموظف، وهي من أكثر القضايا حساسية. لا أحد ينكر أن الموظف السوري يعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وأن الرواتب لا تتناسب مع ارتفاع الأسعار، وأن تحسين وضع الموظف ضرورة وليس رفاهية. الموظف الذي يعمل بإخلاص في ظروف صعبة يستحق الاحترام والدعم.
لكن في المقابل، هل انخفاض الراتب يعني انخفاض الواجب؟ هل يصبح الدوام الرسمي مجرد موعد تقريبي؟ هل يجوز أن يهرب الموظف من مكان عمله، أو يقضي ساعات الدوام في مصالحه الخاصة، ثم يعود آخر الشهر ليسأل لماذا لم تتحسن الخدمات؟ هناك موظفون يذهبون إلى أعمالهم ويؤدون واجبهم رغم كل الظروف، وهؤلاء هم الذين يحافظون على استمرار المؤسسات. لكن هناك أيضًا من يتعامل مع الوظيفة الحكومية وكأنها بطاقة حضور فقط. يأتي صباحًا ليثبت أنه جاء، ثم تبدأ رحلة الاختفاء: “ذهب يشرب قهوة”، “خرج لمعاملة”، “سيعود بعد قليل”. وبعد ساعات، يتحول “بعد قليل” إلى مفهوم فلسفي لا يعرف أحد مدته. ثم عندما يدخل المواطن إلى الدائرة لإنجاز معاملته ولا يجد الموظف، يقول: “الدولة لا تعمل”، وربما يكون محقًا في غضبه، لكن السؤال أيضًا: من كان يمثل الدولة في تلك اللحظة؟ أليس الموظف نفسه؟
المشكلة ليست في الموظف وحده. فالمؤسسة تحتاج إلى إدارة قوية، ورقابة عادلة، وحوافز، ورواتب مناسبة، ومحاسبة حقيقية. لا يمكن أن نطلب من موظف أن يعطي أفضل ما لديه إذا كان يشعر أن المجتهد والمهمل يحصلان على المعاملة نفسها. لكن في الوقت نفسه لا يمكن أن نطلب من الدولة أن تدفع أكثر بينما بعض الناس يقدمون أقل. فالراتب حق، لكنه ليس هدية. والوظيفة مسؤولية، وليست مجرد مقعد محجوز. والدوام ليس فترة انتظار حتى ينتهي اليوم.
ولا تتوقف المسألة عند الموظف الحكومي، فالمشكلة أكبر من مكتب أو دائرة. إنها تتعلق بثقافة عامة تحتاج إلى مراجعة. فنحن أحياناً نريد مؤسسات قوية، لكننا لا نريد الالتزام بالقواعد التي تجعل هذه المؤسسات قوية. نريد القانون عندما يحمي حقوقنا، لكننا نبحث عن استثناء عندما يقف القانون في طريق مصلحتنا. نريد محاربة الفساد، لكننا نغضب عندما لا نستطيع استخدام الواسطة. والواسطة ربما تكون من أكثر الظواهر التي تكشف هذا التناقض. يكاد الجميع يشتكي منها، والجميع يقول إنها سبب خراب المؤسسات، لكن عندما تتعطل معاملة شخص ما يبدأ السؤال المعروف: “ما في حدا منعرفه يساعدنا؟”. المشكلة أننا نكره الواسطة عندما يستفيد منها غيرنا، ونصبح أكثر تفهماً لها عندما تكون في صالحنا. إذا حصل شخص آخر على وظيفة بسبب قريب أو معرفة نقول: “هذا فساد”. أما إذا ساعدنا قريب لنا نقول: “مجرد مساعدة بسيطة”. وكأن الواسطة تتحول من مرض خطير إلى دواء مفيد بمجرد أن نستخدمها نحن.
والأخطر من ذلك أن الواسطة لا تظلم شخصًا واحدًا فقط، بل تضعف الثقة بالمؤسسات كلها. فعندما يشعر المواطن أن الطريق الطبيعي لا يكفي، وأن المعاملة لا تنجز إلا إذا عرف شخصاً ما، يبدأ الجميع بالبحث عن الطرق غير الطبيعية، وبعد فترة يصبح النظام نفسه هو الضحية.
والرشوة جزء آخر من هذه المشكلة. لا شك أن الموظف الذي يطلب مالاً مقابل أداء عمله يرتكب خطأ جسيماً ويجب محاسبته. فالراتب الذي يحصل عليه هو مقابل أداء وظيفته، وليس مقابل بيع الخدمة العامة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الفساد يعيش في بيئة تسمح له بالاستمرار. عندما يصبح دفع مبلغ صغير أسرع من اتباع الطريق القانوني، وعندما يصبح بعض الناس مستعدين للدفع لتجاوز الإجراءات، تتحول الرشوة من فعل فردي إلى ثقافة.
من أين نبدأ؟
إن محاربة الفساد لا تبدأ فقط من مكاتب المسؤولين، بل تبدأ أيضًا من رفض المواطن أن يكون جزءًا من المنظومة. فالذي يشتكي من الفساد ثم يبحث عن طريقة للحصول على خدمة بطريقة غير عادلة يشبه شخصًا يشكو من تلوث النهر بينما يرمي النفايات فيه ليلًا، وفي القطاع الصحي، تظهر المسؤولية المشتركة بشكل واضح. الطبيب السوري معروف بكفاءته، وهناك آلاف الأطباء الذين يعملون بإخلاص في ظروف صعبة، ويقدمون خدمات إنسانية عظيمة رغم قلة الإمكانات. لكن كما في كل مهنة، هناك من يسيء استخدام موقعه. الطبيب الذي يهمل مريضًا لأنه فقير، أو الذي يجعل الوظيفة العامة مجرد طريق لجذب المرضى إلى عيادته الخاصة، يضر بالمهنة وبالمؤسسة الصحية. وكذلك الصيدلي الذي يستغل حاجة الناس، أو المختبر الذي يطلب تحاليل لا ضرورة لها، أو أي شخص يحول حاجة المريض إلى فرصة للربح غير المشروع. وفي المقابل، لا يمكن أن نطلب من القطاع الصحي أن يعمل بشكل مثالي إذا كانت المستشفيات تعاني من نقص المعدات والأدوية والكوادر. فالطبيب يحتاج إلى بيئة تساعده، والمريض يحتاج إلى نظام يحميه.
وفي التعليم، القصة مشابهة. لا يمكن أن نقول إن ضعف التعليم سببه وزارة التربية أو وزارة التعليم العالي فقط. فالتعليم منظومة كاملة تبدأ من البيت، مرورًا بالمدرسة والجامعة، وتنتهي بسوق العمل. هناك معلمون وأساتذة جامعات يعملون بإخلاص ويعتبرون التعليم رسالة، وهؤلاء يستحقون كل احترام. لكن هناك أيضًا من فقد الشغف وتحول التعليم بالنسبة له إلى مجرد ساعات دوام وراتب آخر الشهر. المعلم الذي لا يحضر درسه جيدًا، والأستاذ الجامعي الذي لا يطور معرفته ولا يبحث ولا يواكب تخصصه، كلاهما يساهم في ضعف المنظومة. وفي المقابل، الطالب الذي يريد النجاح بلا دراسة، والذي يبحث عن ملخص صغير قبل الامتحان بدل بناء المعرفة، ثم يحصل على شهادة ويطالب بسوق عمل قوي، يشارك أيضاً في المشكلة.
فالشهادة ليست قطعة ورق سحرية تجعل الإنسان مؤهلًا. الجامعة ليست مصنع شهادات، والأستاذ ليس آلة لإعطاء محاضرات، والطالب ليس زائرًا مؤقتًا يمر من القاعة حتى يحصل على توقيع النجاح. الجامعات السورية، من جامعة دمشق إلى جامعة حلب، ومن جامعة حمص وحماة إلى جامعة تشرين وطرطوس والفرات، تملك تاريخاً طويلاً وكفاءات كبيرة، لكنها تحتاج إلى بيئة تحترم العلم، وتشجع البحث، وتحاسب التقصير.
ولا يمكن الحديث عن الجامعات دون الحديث عن البحث العلمي. لا يكفي أن يكون لدينا مبانٍ وقاعات ومحاضرات. الجامعة الحقيقية هي التي تنتج المعرفة، والتي يسأل فيها الأستاذ ويبحث وينشر، والتي يدرك فيها الطالب أن العلم ليس مجرد طريق للحصول على وظيفة، بل وسيلة لبناء المجتمع.
وفي قطاع الهندسة والبناء، نرى صورة أخرى من المسؤولية المشتركة. الدولة مسؤولة عن وضع القوانين والرقابة، لكن المهندس الذي يوقع على مخطط يعرف أنه غير مطابق، والمقاول الذي يقلل جودة المواد من أجل زيادة الربح، وصاحب البناء الذي يبحث عن الأرخص مهما كانت النتائج، كلهم يساهمون في المشكلة.
لا يمكن أن نطلب من البلدية أن تراقب كل حجر في كل بناء، ثم نحاول نحن تجاوز القوانين عندما تكون ضد مصلحتنا. لا يمكن أن نريد أبنية آمنة، ثم نغضب عندما يطلب منا الالتزام بالمواصفات.
أما في التجارة والأسواق، فالتاجر ليس عدوًا للمجتمع. بالعكس، التاجر الشريف عنصر أساسي في الاقتصاد، ويوفر السلع ويحرك السوق. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الربح إلى غاية بلا حدود. فالتاجر الذي يحتكر سلعة، أو يخفي الأسعار، أو يرفع السعر بلا سبب، ثم يخرج ليقول إن الحكومة وحدها مسؤولة عن الغلاء، ينسى أن السوق يتكون من أكثر من طرف. صحيح أن الاقتصاد السوري يواجه ظروفًا صعبة، وأن الأسعار تتأثر بعوامل كثيرة، لكن ليس كل ارتفاع في السعر جاء من قرار حكومي. أحيانًا يدخل الجشع البشري إلى المعادلة، وهذا جزء يجب الاعتراف به.
وفي قطاع النقل، يعيش المواطن السوري يوميًا قصة طويلة مع السرافيس وسيارات الأجرة. الراكب يشكو من ارتفاع الأجرة، والسائق يشكو من ارتفاع الوقود والصيانة. وكل طرف لديه جزء من الحقيقة. فالسائق ليس دائمًا مخطئًا، فهو أيضًا يعيش أزمة اقتصادية. لكن عندما يضاعف الأجرة أكثر من المسموح، أو يرفض نقل الركاب، أو يتعامل مع الطريق وكأنه ملك شخصي، فإنه يزيد المشكلة. والراكب أيضًا ليس دائمًا ضحية. فالذي يرفض دفع الأجرة المتفق عليها، أو يسيء للسائق، أو يتعامل مع المركبة وكأنها ملك خاص، لا يساعد على تحسين الوضع. إن النقل مثال واضح على أن الأزمات لا تحل عندما يرى كل طرف نفسه ضحية فقط. يجب أن نرى الصورة كاملة.
والأمر نفسه ينطبق على أصحاب الورش والمهن الحرة. الميكانيكي والكهربائي والنجار والحداد والعامل المهني هم أعمدة الاقتصاد الحقيقي. البلد لا يبنى فقط بالمكاتب، بل بالأيدي التي تعمل. لكن عندما يصبح الغش جزءًا من العمل، وعندما تستخدم قطع غير مناسبة، أو يقال للزبون “هذه أفضل قطعة” وهي ليست كذلك، فإن الثقة بين الناس تبدأ بالانهيار. وفي البلديات والخدمات العامة، نكرر الخطأ نفسه. نريد مدنًا نظيفة ومنظمة، لكننا أحيانًا نتصرف وكأن الشارع لا علاقة لنا به. نريد حدائق جميلة، ثم نترك المخلفات خلفنا. نريد أرصفة واسعة، ثم نحتلها بالمحال. نريد مدينة منظمة، لكننا نغضب عندما يطبق القانون علينا.
حتى في الزراعة، وهي قطاع أساسي في سوريا، هناك مسؤولية مشتركة. الفلاح يحتاج إلى دعم الدولة وتأمين مستلزمات الإنتاج، لكن هناك أيضًا حاجة إلى الحفاظ على الموارد المائية، واستخدام الطرق الزراعية الصحيحة، والتعاون مع المؤسسات المختصة. لا يمكن أن نطلب من الأرض أن تعطينا بلا حدود ونحن نستنزفها بلا حساب.
حب الوطن
المشكلة إذن ليست أن السوريين لا يحبون بلدهم. بالعكس، معظم السوريين يحبون سوريا ويتمنون لها الخير. لكن الحب الحقيقي لا يظهر فقط في الأغاني والشعارات، بل يظهر في السلوك اليومي. حب الوطن هو أن تغلق صنبورًا مفتوحًا لأنك تعرف أن هناك من يحتاج الماء. حب الوطن هو أن لا تسرق الكهرباء لأنك تعرف أنك تضر شخصًا آخر. حب الوطن هو أن تؤدي عملك حتى عندما لا يراقبك أحد. حب الوطن هو أن لا تستخدم الواسطة عندما تعرف أنك تأخذ حق غيرك. حب الوطن هو أن ترفض الرشوة حتى لو كانت أسرع طريق. حب الوطن هو أن تحافظ على الشارع كما تحافظ على بيتك. حب الوطن هو أن تنجح بعلمك لا بالغش. حب الوطن هو أن يكون هدفك بناء المجتمع، لا فقط البحث عن مصلحتك الشخصية. وفي النهاية، لا يمكن أن تكون الرسالة هي الدفاع عن الحكومة أو مهاجمة المواطن. فالحكومة ليست فوق النقد، والمواطن ليس خارج المسؤولية. كلاهما جزء من المشكلة، وكلاهما جزء من الحل. نحتاج إلى حكومة أكثر كفاءة، ومسؤولين أكثر نزاهة، ومؤسسات أقوى، وقوانين تطبق على الجميع. لكننا نحتاج أيضًا إلى مواطن أكثر وعيًا، وموظف أكثر التزامًا، وطبيب أكثر إنسانية، ومعلم أكثر إخلاصًا، وأستاذ جامعي أكثر إنتاجًا، وتاجر أكثر أمانة، وسائق أكثر احترامًا للقانون. لا يمكن أن نطلب دولة قوية ونحن نمارس كل يوم سلوكيات تضعفها. لا يمكن أن نشتكي من الفساد ونحن نبحث عن الواسطة. لا يمكن أن نشتكي من نقص الماء ونحن نهدره. لا يمكن أن نشتكي من الكهرباء ونحن نسرقها. لا يمكن أن نشتكي من ضعف الخدمات ونحن أحيانًا أول من يسيء استخدامها.
فالدولة ليست فقط من يحكم. الدولة هي أيضًا من يعمل فيها. والدولة هي أيضًا من يعيش فيها. وسوريا لن تنهض عندما يتغير المسؤول فقط، ولن تنهض عندما تتغير القوانين فقط. ستنهض عندما يفهم كل فرد أن له حقوقًا، ولكن عليه أيضًا واجبات. عندما يقف المواطن أمام الحكومة ويقول: “أنا قمت بما عليّ… والآن أريد منكم أن تقوموا بما عليكم”. عندها فقط يصبح النقد بناءً، والمطالبة بالحقوق عادلة، والإصلاح ممكنًا.
لأن سوريا لا تحتاج فقط إلى حكومة جديدة أو قوانين جديدة. سوريا تحتاج إلى علاقة جديدة بين المواطن والدولة. علاقة لا يكون فيها المواطن مجرد شخص يطلب، ولا تكون فيها الدولة مجرد جهة تُلام. بل علاقة يكون فيها الطرفان شريكين في بناء وطن يستحقه الجميع.



