اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-20 18:29:00
لم أكن أعرف هذا المثل من قبل. ابني أدهم قال لي ببساطة: «الصندوق صندوق». توقفت عند هذه العبارة للحظة، ليس فقط بسبب غرابتها اللغوية، بل لأنها بدت وكأنها تلخص واقعاً انتخابياً برمته في كلمتين. ولسنوات عديدة، كنت أؤمن – ومارس – الالتزام بالتصويت كما أعلن، دون تردد أو تغيير. لكن هذه العبارة الصغيرة جعلتني أفكر جدياً: هل يعكس هذا المثل سلوكاً شائعاً لم أنتبه إليه من قبل؟ في هذا السؤال تكمن نقطة البداية لتحليل أعمق. المثل، رغم بساطته، لا يصف حالة فردية، بل يفتح نافذة على ظاهرة أوسع في السلوك الانتخابي: الفجوة بين الموقف المعلن والقرار الفعلي. وفي البيئات التي تتشابك فيها العلاقات الاجتماعية والأسرية، لا يعد التصويت مجرد خيار سياسي، بل هو عمل معقد يتقاطع مع اعتبارات متعددة، بعضها علني وبعضها مخفي. علمتني التجربة الشخصية أن الالتزام بالتصويت كما هو معلن هو سلوك ممكن بل ومطلوب في إطار الوضوح والاتساق. لكن التجربة المجتمعية تكشف أن هذا الالتزام ليس قاعدة عامة. وهناك من يعلن تأييده لقائمة معينة من باب المجاملة أو التوازن الاجتماعي، لكنه يحتفظ بقراره الحقيقي حتى لحظة التصويت، حيث لا سلطة إلا قناعته الفردية. وهنا تتضح أهمية المثل: الصندوق لا يعكس ما يقال… بل يعكس ما تقرر. وفي العزل يتحرر الناخب من الضغوط، ويصبح قراره عملاً فردياً بحتاً، لا يخضع إلا لما يراه مناسباً. وهذه المسافة بين الأقوال والأفعال ليست بالضرورة سلبية، بل هي جزء من طبيعة النظام الديمقراطي الذي يقوم على الاقتراع السري وحرية الاختيار. لكن هذه الحرية نفسها تخلق حالة من عدم اليقين، حيث يصبح من الصعب التنبؤ بسلوك الناخبين أو قراءة النتائج بدقة مقدما. ويبقى السؤال الأهم: هل هذه الظاهرة «الصندوق ذو الصندوق» مجرد سلوك فردي، أم أن النظام الانتخابي نفسه يساهم في إنتاجها؟ وفي الحالة الفلسطينية، وخاصة في انتخابات الهيئات المحلية، يعتمد النظام على القوائم الانتخابية، والتمثيل النسبي، والترتيب المسبق للمرشحين ضمن القائمة. وهذا الإطار لا يخلق المنافسة الانتخابية فحسب، بل يخلق أيضاً تعقيداً في عملية صنع القرار الفردي. ولا يختار الناخب شخصاً واحداً، بل قائمة كاملة قد لا تمثل قناعته بشكل كامل، ما يدفعه أحياناً إلى إعلان تأييد معين، مع الاحتفاظ بتحفظ داخلي. كما أن طبيعة المجتمع المحلي، حيث تتشابك العلاقات الأسرية والاجتماعية، تجعل الناخب يعيش حالة من صراع الانتماءات، فيجد نفسه مجبراً على إظهار موقف عام ينسجم مع محيطه، مع احتفاظه بخياره الحقيقي لنفسه. ويزداد هذا التعقيد مع ضعف العلاقة المباشرة بين الناخب والمرشح في نظام القائمة، ومع وجود اعتبارات تنظيمية داخل القوائم، كالمحاصصة وترتيب الأسماء، مما قد يجعل بعض الناخبين يشعرون أن الاختيار لا يعبر عنهم بشكل كامل، فيلجأون إلى تعديل قرارهم داخل الصندوق. وفي هذا السياق، فإن ما يوصف أحياناً بـ”الارتباك” لم يعد سلوكاً عشوائياً، بل أصبح تعبيراً عن محاولة فردية للتوفيق بين الضغوط الاجتماعية والحرية الشخصية. فالناخب لا يتصرف بلا منطق، بل يدير تناقضاته في الفضاء الوحيد الذي يملك فيه القرار المطلق: داخل الغيتو. وهكذا فإن «صندوق البطريق» لا يعكس مجرد استهزاء بسلوك بعض الناخبين، بل يكشف حقيقة أعمق في العملية الديمقراطية، وهي أن النتائج لا تبنى على كلام، بل على قرارات فردية تتخذ في لحظة خاصة، بعيداً عن كل ما قيل قبلها. وفي هذا التفاعل بين حرية الفرد وتعقيد النظام وضغط المجتمع تتشكل النتيجة الحقيقية التي كثيرا ما تحمل المفاجآت. وفي النهاية أعود إلى تلك اللحظة الأولى، إلى ما قاله أدهم ببساطة، وكأنه يلخص كل هذا التحليل دون قصد: «الصندوق صندوق». ربما لم تكن مجرد عبارة عابرة.. بل كانت وصفاً دقيقاً لحقيقة لا تظهر إلا عند فتح الصناديق.


