اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-17 23:01:00
وفي شهر الله الكريم، شهر رمضان المبارك، وفي 28 فبراير 2026، بدأت العمليات الصهيونية الأمريكية ضد إيران في حملة عسكرية صليبية توصف بأنها الأكبر في المنطقة منذ عقود. أطلقت عليه إسرائيل اسم (زئير الأسد)، وأطلقت عليه أمريكا اسم (الغضب الملحمي)، بينما أطلقت عليه إيران اسم (الوعد الحق 4). بدأت الحرب بضربات جوية استباقية واسعة النطاق، استهدفت مواقع استراتيجية، في حملة أراد المحتلون أن تكون حملة عسكرية تسقط النظام، وإذلال الأمة، وتقيم شرق أوسط جديد يهيمن عليه دين زائف باسم الإبراهيمية، والتطبيع المذل، للقضاء على ما تبقى من الإسلام وآمال المسلمين في تحرير القدس. لكنها تحولت – بإرادة الله ويقين المؤمنين – إلى ملحمة صمود أعادت كتابة قواعد الاشتباك في المنطقة، وأثبتت أن المعادلات التي ظن الغرب أنها محسومة لم تكن سوى أوهام سرعان ما تبددت تحت وطأة الحقائق الميدانية. واستمرت هذه المواجهات العنيفة أربعين يوماً متتالية، قبل أن تدرك أمريكا أنها فقدت بوصلة السيطرة، وأنها أخطأت في اختيار الهدف. إيران ليست مثل العراق، ولا مثل ليبيا أو سوريا، ولا أي دولة من دول المنطقة التي ليس لها معنى الشرف والكرامة سوى الخضوع المطلق للوحش الأمريكي والكلب المسعور إسرائيل. وكانت إيران المحاصرة منذ أكثر من أربعة عقود على أتم الاستعداد والتجهيز لردع العدوان، وأجبرت عوامل الردع الأخرى على إعلان الاستسلام ووقف إطلاق النار تحت مسمى الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 8 أبريل 2026، من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي أدارتها باكستان بنزاهة ونجاح بين أمريكا وإيران. وبالعودة إلى الحرب، ننتقل إلى أهداف العدوان التي أعلنها ترامب في بداية الحرب، والتي تتلخص في: إسقاط النظام، والقضاء على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وإعادة نجل شاه إيران المخلوع إلى السلطة. كانت هذه هي الأهداف المعلنة للعدوان، لكن التأمل المتعمق يكشف أن الأهداف الحقيقية كانت أكثر تعقيدا مما أعلنوا، وأقل معقولية مما تصوروا. وارتكز المشروع العدواني على ثلاث ركائز ضعيفة: إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة، وتدمير القدرات النووية والصاروخية بشكل كامل، وإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وإعلان التطبيع على جميع الدول تمهيدا لإعلان دولة إسرائيل الكبرى، واستيلاء أمريكا على نفط المنطقة وسيطرتها عليه بلا منازع. وفي غمرة الأيام الأولى للحرب، ارتفعت أصوات المرتجفين، كما هي عادتهم في كل محنة يمر بها الوطن، مشيدين بالقوة الأميركية، مستبعدين إمكانية مواجهتها، ومستخفين بقدرات إيران ومحور المقاومة. في هذه الأثناء، بدأت قنواتنا العبرية في بلادنا العربية، والخليجية بشكل خاص، تبث إشارات عن ضربات صهيونية أمريكية على المدن الإيرانية ومنشآتها الحيوية. تنوعت أصواتهم. فمنهم من بشّر بانهيار النظام الوشيك خلال أيام، ومنهم من راهن على فشل الحلفاء، ومنهم من صدق وعود القوة الأميركية الكاذبة، ومنهم من روج أن المقاومة مجرد واجهة إعلامية لا فائدة منها. ولكن الله كشف صدق وعده للمؤمنين الصابرين، حيث قال فيهم: “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم”. فزادهم ذلك إيمانا، وقالوا: حسبنا الله وخير». وهكذا كانت أصوات المرتجفين تتردد في الخارج، بينما كان المؤمنون يزدادون إيماناً ويقينا بأن العاقبة هي التقوى، وأن الصبر والثبات مفتاح النصر، وأن نصر الله حتماً سيأتي لمن كان على الحق: (وإن الله لينصر من ينصره إن الله لقوي عزيز). إن صمود إيران لم يكن نتيجة صدفة أو حظ، بل كان نتيجة إيمان راسخ بأن النصر يأتي بالصبر، وأن التمسك بفلسفة المقاومة في وجه العدو هو انتصار في حد ذاته. في مشهد مهيب يجسد صدق الله مع عباده المؤمنين، أثبتت إيران أن الإرادة الصلبة والعقيدة الراسخة قادرتان على هزيمة أعتى الترسانات العسكرية. لقد غيرت الحرب قواعد الاشتباك في عالم لم يعد يحتمل المعادلات التقليدية. لقد أظهرت التجربة أن “اقتصاديات الحرب” انقلبت رأساً على عقب؛ ولم تعد أنظمة الدفاع الباهظة الثمن قادرة على مواجهة هجمات الطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة بشكل مستدام. وفي مشهد مهيب، تحولت التكنولوجيا الإيرانية الرخيصة إلى كابوس يطارد أقوى الأساطيل، وأثبتت الصواريخ الباليستية الإيرانية أنها أكثر قدرة على المناورة والوصول مما تصور المخططون. ولعل أبرز مشاهد الملحمة كانت عندما أظهرت إيران قدرتها على استبدال قيادتها بشكل سريع ومتماسك، بعد أن ظن العدو أن الاغتيالات ستهز أسس النظام، وتنهار المؤسسات وتقع فريسة للشعب. لكن في مشهد يعكس عمق المؤسساتية والثقة بالنفس ووعي الشعب الإيراني، تم انتخاب القيادة الجديدة بعد أيام قليلة، وهو ما فشل الرهان على الفراغ القيادي، وأظهر أن النظام مبني على مؤسسات راسخة وليس على الأشخاص. ومع تقدم المعارك، بدأ الميزان يميل بشكل غير متوقع. فالعدوان الذي ظن المسؤولون عنه أنه حرب خاطفة تحول إلى مستنقع استنزاف مكلف. وأظهرت الأرقام أن تكلفة الحرب على المعتدين كانت أكبر بعدة مرات من تكلفة الحرب على إيران. ولم يعد المشهد كما كان في الحروب السابقة. لقد أصبحت الساحة أكثر تعقيدا، ولم تعد المعادلات تدعم الاستجابات التقليدية. وفي منعطف دراماتيكي، أغلقت إيران مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. ولم يكن هذا الإغلاق مجرد خطوة عسكرية، بل كان رسالة واضحة مفادها أن إيران تملك مفاتيح الاقتصاد العالمي، وأن أي عدوان عليها ستكون له تداعيات على كافة أسواق العالم. وارتفعت الأسعار، وبدأت بوادر الأزمة الاقتصادية تظهر في العواصم الغربية، مما جعل استمرار الحرب مكلفاً سياسياً واقتصادياً بالنسبة للقادة الغربيين. إن دخول أنصار الله إلى اليمن على خط المواجهة إلى جانب إيران، وتهديدهم بإغلاق باب المندب، زاد الوضع تعقيدا، ووضع أمريكا أمام خيارين لا نهاية لهما، وكلاهما مرير: إما مواصلة الحرب الخاسرة، أو الاستسلام. ووجد ترامب نفسه مضطرا إلى التسول الجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد أن وعد ناخبيه بـ«النصر الكامل». وانقلبت مجرى الأحداث بحيث جرت المفاوضات في ظل شروط إيرانية واضحة، حيث تم تأجيل الملف النووي إلى مرحلة ثانية، وتم استبعاد مناقشة الملف الصاروخي الإيراني، وارتبط وقف الحرب بملفات إقليمية أخرى أبرزها الساحة اللبنانية، التي أحبطت المشروع الصهيوني الذي كان يطالب بالتفكيك النهائي للبرنامج النووي وعزل ملف لبنان عن المفاوضات. ولم يتردد حتى في وصف الاتفاق بالكارثة السياسية والأمنية، والفشل الاستراتيجي للدول العظمى التي اعتادت إملاء شروطه. وبعد مائة يوم من إعلان تلك الحرب الظالمة، كانت إيران هي المنتصرة. ففي الميدان كانت لها الضربة الأخيرة، وفي المفاوضات كانت هي صاحبة القرار. لقد تفاوضت من موقع القوة، وليس من موقع الضعف، واشترطت ولم تفرض عليها الشروط. وكان هذا التحول ــ من عدو محاصر إلى نظير يمكن التفاوض معه بشروطه ــ أعظم انتصار سياسي حققته إيران في العقود الأخيرة. وأعادت توزيع نفوذ القوة في المنطقة وأنهت عقودًا من الهيمنة الأمريكية. تحمل هذه الحرب في طياتها دروسا مهمة جدا للأمة بأكملها. النصر لا يأتي بكثرة العدد أو العتاد، بل بالصبر واليقين والتمسك بالحق، كما قال الله تعالى: (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). لقد أثبتت المقاومة الإيرانية أن التمسك بالمبادئ وعدم الاستسلام للفتن والتهديدات هو طريق النصر الحقيقي. كما أكدت الحرب أن الأمن لم يعد مفهوماً محلياً أو إقليمياً، بل أصبح مرتبطاً بشبكة معقدة من المصالح العالمية. لقد كشف إغلاق مضيق هرمز عن هشاشة الاقتصاد العالمي في مواجهة إرادة المقاومة الواحدة، وهذا درس ينبغي للأمة أن تستوعبه بكل جوانبه الاستراتيجية. وفي ختام هذه الملحمة التي كتبتها إيران بثباتها ويقينها، نعود إلى حقيقة أثبتها التاريخ في جميع مراحله: أن العاقبة للمتقين الصابرين، وأن وعد الله حق ولن يضيع: (فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً)، و(إن الله مع المتقين) والذين هم محسنون. وتبقى هذه الحرب علامة فارقة في التاريخ. وفيه نزلت آيات الله في نصرة المؤمنين، وفيه انكشفت زيف القوة الغاشمة أمام إرادة قوم آمنوا بالله ووكلوا إليه أمورهم. وهي دعوة لكل مؤمن أن يتمسك بيقينه، ولا يبالي بأصوات المرتعشين، وأن الثبات على المبادئ، والتمسك بالحق، والوفاء لله والدين والناس، هو مفتاح النصر في كل معركة.



