فلسطين المحتلة – تركيا في “قمة الناتو” المقبلة.. بين متطلبات الحلف والتطلع إلى نظام أمني جديد مع دول المنطقة

اخبار فلسطين26 يونيو 2026آخر تحديث :
فلسطين المحتلة – تركيا في “قمة الناتو” المقبلة.. بين متطلبات الحلف والتطلع إلى نظام أمني جديد مع دول المنطقة

وطن نيوز

ترامب مخترع. والسؤال الأهم هو: هل يعلم أنه يخترع ويكذب ويبني واقعاً بديلاً، أم أنه يؤمن بالواقع الذي يصنعه؟ وأحدث مثال على ذلك هو تصريحه العابر بأن تركيا على وشك الانضمام إلى الحرب، “على الأرجح إلى جانب إيران، لأنها لا تحب إسرائيل كثيراً”. ولحسن الحظ، حسب روايته، طلب من أردوغان عدم التقدم، وقد امتثل. ورفضت أنقرة، كما كان متوقعا، هذه الرواية. وأكد مصدر في الحكومة التركية لصحيفة “هآرتس” أن تركيا لا تنوي التدخل في الحرب مع إيران، لا إلى جانب الولايات المتحدة ولا إلى جانب إيران. وأوضح المصدر أن موقف تركيا كان واضحا منذ البداية: معارضة الحرب، حتى بعد إطلاق الصواريخ الإيرانية على أجوائها. تم إطلاق الصواريخ الأربع على تركيا في شهر مارس، وتم اعتراضها من قبل قوات الناتو وبطاريات باتريوت. ولم تفكر أنقرة حتى في تفعيل بند الدفاع المشترك للحلف. لكن هناك واقع، وهناك ترامب؛ والحقيقة أنه ذهب إلى «الشخص القوي» وطلب منه عدم التدخل، فوافق الزعيم التركي من باب الشهامة. ومن الجدير بالذكر أيضًا ما لم يقله ترامب. وعلى عكس لغته القاسية عندما أعلن أن «بيبي سيفعل ما أقول له»، فقد تحدث عن أردوغان بحذر شديد، وليس من قبيل الصدفة. إن “العلاقة الأخوية”، كما وصفها توم باراك، السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، مبنية على تقدير عميق لترامب. وكان ترامب يكن مودة كبيرة لأردوغان منذ ولايته الأولى، وحرص على تأكيد مشاركته في قمة الناتو التي ستعقد في 7 يوليو/تموز المقبل، “لأن أردوغان اتصل بي وأخبرني بضرورة مشاركتي”. وفي الوقت نفسه، ألمح إلى أنه سيفعل “شيئا من شأنه أن يجعل أردوغان سعيدا للغاية”. ويبدو أنها خطوة أخرى نحو الموافقة على صفقة طائرات إف-35 ومحركات نفاثة متطورة. ربما يكون ترامب قد غيّر قصة التدخل، لكنه لم يخلق الوضع الجديد الذي تسعى إليه تركيا لنفسها، وهو إملاء سياستها، وعدم إجبارها على اتباع سياسة الآخرين. أما بالنسبة لأردوغان، فإن قمة الناتو المقبلة لم تعد مجرد مؤتمر، بل فرصة تاريخية. استضافت تركيا قمة الناتو الأخيرة في عام 2004، بعد عام من توليها السلطة. وكانت تركيا مختلفة تماما في ذلك الوقت، حيث كانت البلاد قد بدأت للتو في الخروج من أزمة اقتصادية حادة، مما ساهم في صعودها. وكان الجنرالات لا يزالون يشكلون تهديدًا للسياسة المدنية، وخاصة بالنسبة له. بالكاد تلبي الصناعات الأمنية المحلية خمس احتياجات الجيش، وكان الإنتاج الأمني ​​السنوي يزيد قليلاً عن مليار دولار. ومن المفارقات أن تركيا اشترت أولى الطائرات بدون طيار من إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، أصبحت صفقة طائرات هيرون بدون طيار درسًا بليغًا في الوعي التركي. وطلبت أنقرة 10 طائرات مسيرة، وتأخرت عملية التسليم، وعندما وصلت المعدات، اشتكى الأتراك من أنها غير مطابقة للمواصفات. وزعمت تركيا أن إسرائيل عطلت عمدا قدرة الطائرة على التصوير وجمع المعلومات الاستخبارية. ولم تحل المشكلة إلا بعد سنوات من الاتهامات المتبادلة والأزمات والضغوط السياسية. لكن بالنسبة لأردوغان، فقد حققت هذه القضية غرضها بالفعل، مما عزز قراره السابق بجعل تركيا مكتفية ذاتيا. ومنذ ذلك الحين، شهدت تركيا تحولاً جذرياً. وألغى أردوغان صفقات شراء أجنبية بمليارات الدولارات، واستثمر في البنية التحتية للتصنيع المحلي، وبنى صناعة عسكرية تمكنت من تحويل البلاد إلى إمبراطورية عسكرية إقليمية ولاعب عالمي في الصناعات الأمنية. والآن تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، وتنتج صناعاتها الأمنية نحو 20 مليار دولار سنويا، وتخطط هذا العام لاستثمار أكثر من 27 مليار دولار في توسيع الإنتاج. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى تقديم نفسها ليس فقط كمالك أو مستخدم فعال للأسلحة، ولكن أيضًا كمورد للوسائل والخبرة العسكرية. ولذلك، من المقرر أن تكون القمة المقبلة في أنقرة بمثابة عرض واسع النطاق. وبحسب البيانات التي نشرها مركز الاتصالات الرئاسية، فإن 32 رئيس دولة من دول الناتو ونحو 100 وزير سيشاركون في القمة. ومن المتوقع أن يشارك فيه الوزراء ومئات العلماء ورجال الأعمال وأكثر من 3000 مراسل أجنبي. وسيتم إنشاء حوالي 1600 محطة عمل و26 موقعًا للبث الإعلامي، وسيكون حوالي 850 موظفًا تركيًا مسؤولين عن نظام الخدمة والدعم. وفي الوقت نفسه، سيتم عقد العشرات من الفعاليات والندوات والجولات في إسطنبول. وتستثمر تركيا في هذا الحدث نحو ربع مليار دولار، وهو مبلغ يشمل تجهيز مطار إضافي، وإصلاح الشوارع والأرصفة، وتمويل نظام أمني غير مسبوق. وتم بالفعل نشر عشرات الآلاف من أفراد الشرطة والأمن في النقاط الرئيسية. وكما هو معتاد في مثل هذه الأحداث في تركيا، تم إغلاق مساحة الاحتجاج: فقد تم حظر المظاهرات من أي نوع، وتم اعتقال أكثر من 200 شخص بتهمة “نية الإخلال بالنظام العام”، وهو حكم فضفاض يسمح بإبعاد ليس فقط الأشخاص غير المنضبطين من الشارع، بل وأيضاً منتقدي النظام والمعارضين السياسيين. لا يريد أردوغان من الضيوف المشاركة في القمة فحسب، بل يريد أيضًا أن يفهموا رواية معينة. وسيحصل كل مشارك على 3 كتب فاخرة معدة للمؤتمر، تتناول قوة تركيا العسكرية، وقدرتها التصنيعية، وجهودها في مكافحة الإرهاب، ومكانتها الإقليمية والدولية. والرسالة واضحة: لم تعد تركيا مجرد “جسر بين الشرق والغرب”، وهي العبارة الدبلوماسية المبتذلة التي رافقتها لسنوات؛ بل تسعى إلى اعتبارها شريكاً لا غنى عنه، ليس مجرد محطة عبور، بل عنواناً، وليس وسيطاً يخدم مصالح الآخرين، بل كياناً يصوغ مصالحه الإقليمية الخاصة. وتوفر الحرب مع إيران فرصة مثالية لتسويق هذا التطور. ولم تكن دعوة قطر والبحرين والإمارات والكويت إلى القمة تهدف إلى تحسين صورة هذه القمة فحسب؛ وهذه الدول أعضاء في «مبادرة إسطنبول للتعاون»، التي انطلقت في مؤتمر عام 2004، وهي جزء من جهد تركي واضح لوضع أنقرة في موقع محوري بين حلف شمال الأطلسي والخليج، وبين الولايات المتحدة والبنية الإقليمية التي قد تتشكل بعد يوم من الحرب. وهذا أيضاً هو المبدأ الجديد الذي بدأ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في صياغته. والدرس المستفاد واضح: لا يجوز لدول المنطقة أن تستمر في الاعتماد على التحالفات الأجنبية أو الرعاية الأميركية وحدها لبناء أمنها. وفي مقابلة مع قناة الجزيرة في يناير/كانون الثاني الماضي، قال فيدان إن تركيا تسعى بنشاط إلى إنشاء تحالف دفاعي إقليمي “يقوم على الثقة والتعاون بدلا من التحالفات الخارجية أو المحسوبية”. وأضاف: “نريد إنشاء منصة للتضامن الإقليمي”. وهذه صيغة أكثر طموحاً بكثير من الصورة النمطية لتركيا كدولة وسيطة. يقترح فيدان نظامًا أمنيًا جديدًا، تكون فيه تركيا طرفًا نشطًا. ومع ذلك، فإن هذا المبدأ لا يزال بعيدًا عن أن يصبح منتجًا مرغوبًا؛ أولاً، لأن التضامن الإقليمي الذي يتحدث عنه فيدان له حدود سياسية واضحة منذ البداية. وإسرائيل ليست شريكاً إلا إذا تبنت حل الدولتين. ثانياً، دول الخليج حذرة جداً. ولم تقطع أي من هذه الدول علاقاتها مع إيران، والعديد منها تجري محادثات معها بشأن الترتيبات الأمنية والتعاون الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب. وحتى العلاقات الوثيقة التي بنتها تركيا في السنوات الأخيرة مع السعودية والإمارات وقطر، بما في ذلك صفقات الأسلحة والاستثمارات الضخمة في الاقتصاد التركي، لم تبدد تماما الشكوك التاريخية لبعض هذه الأنظمة في أنقرة بشكل عام، وتجاه أردوغان بشكل خاص. يضاف إلى ذلك خلافات داخلية بين دول الخليج نفسها. فالتنافس بين الرياض وأبو ظبي على اليمن والسودان، والمنافسة المستمرة مع قطر، والحياد الصارم للكويت، وفوق كل شيء عدم اليقين المحيط بمستقبل المفاوضات بين أمريكا وإيران، كل ذلك يضع دول الخليج على قائمة الانتظار. وهي مستعدة للاستماع إلى تركيا، وربما شراء الأسلحة منها، لكنها ليست مستعدة بعد لتسليمها مقاليد الأمن الإقليمي. تعاني تركيا نفسها من مشكلة هيكلية؛ وباعتبارها عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي، فإنها تستفيد من فقرة الدفاع المشترك التي ينص عليها الحلف وتلتزم بقواعده. إن التحالف الأمني ​​الإقليمي، الذي تلعب فيه تركيا دور الركيزة الدفاعية لدول الخليج وليس مجرد مورد للأسلحة، قد يترتب عليه التزامات تتعارض بشكل مباشر مع عضويتها في الناتو. وهنا تكمن مفارقة تركيا: أنقرة لا تريد التخلي عن التحالف، بل تسعى إلى استغلاله اقتصاديا وسياسيا، وفي الوقت نفسه تطمح إلى أن تكون مركز تبعية أمنية لدول المنطقة. ومن الصعب الجمع بين العضوية المتميزة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبين منصب منسق النظام الأمني ​​الجديد في الشرق الأوسط. وإذا كان ترامب قد أعطى أردوغان هدية، فإن هذه الهدية لم تكن ادعاء بأن تركيا ستتدخل في الحرب إلى جانب إيران ضد إسرائيل، أو مشاركته في قمة الناتو. بل كانت هذه فرصة لتذكير العالم بالتحالف بينه وبين أردوغان، والتأكيد على أن تركيا، وليس إسرائيل، هي محور الأحداث من جديد. وربما أيضاً لدعم رؤية تركيا. والسؤال هو: هل سيقتنع المشاركون في القمة بهذه الرؤية أم سيكتفون بهذه المراجعة؟ تسفي باريل هآرتس 26/06/2026