وطن نيوز
ترجمة عبرية – شبكة قدس: كشف تقرير نشرته صحيفة هآرتس العبرية أن ألمانيا مولت سرا مشروعا نوويا إسرائيليا وساهمت ماليا في إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب خلال الستينيات والسبعينيات. ويشير التقرير إلى أن سؤالين رئيسيين ظلا بلا إجابة لعقود من الزمن: كم تكلفة المشروع النووي، ومن قام بتمويل بنائه. وبحسب ما أوردته “هآرتس”، فقد قامت الحكومة في بون (عاصمة ألمانيا الغربية) بين عامي 1961 و1973، بتحويل مبالغ تتراوح بين 140 مليون و160 مليون مارك ألماني سنويا إلى الاحتلال الإسرائيلي عبر آلية قروض سرية. ويقدر إجمالي التمويل بنحو ملياري مارك ألماني، أي ما يعادل نحو 5 مليارات يورو أو أكثر من 5.7 مليار دولار بقيمة اليوم، إضافة إلى توقيع اتفاقية سداد لاحقة تم توقيعها عام 1989 حولت القرض عمليا إلى منحة. ويشير التقرير إلى أنه إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإن جزءا كبيرا من المشروع النووي الإسرائيلي لم يتم تمويله من قبل دافعي الضرائب الإسرائيليين أو الجهات المانحة الخاصة، بل من الأموال العامة الألمانية. وتعود جذور هذه القصة، بحسب التقرير، إلى عام 1957 عندما تقاربت العلاقات بين دولة الاحتلال وفرنسا عقب حرب سيناء عام 1956. وخلال تلك الفترة، وافقت فرنسا سرا على مساعدة دولة الاحتلال في الحصول على مفاعل نووي من خلال اتفاقيات بين هيئات الطاقة الذرية في البلدين. وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي آنذاك، ديفيد بن غوريون، لم يكن مرتاحا للاعتماد على الدعم الفرنسي وحده، إذ كان يخشى تهديدا وجوديا طويل الأمد للاحتلال، وكان قلقا من صعود الرئيس المصري جمال عبد الناصر والقومية العربية. وفي هذا السياق، بدأ بن غوريون بالبحث عما وصفه بـ«مظلة ليوم ممطر»، معتبرا أن ألمانيا الغربية قد تكون الشريك الأنسب، فهي قوة أوروبية صاعدة معادية لعبد الناصر، إضافة إلى قيادتها السياسية، وعلى رأسها المستشار كونراد أديناور، الذي يرى أن على ألمانيا مسؤولية أخلاقية تجاه «إسرائيل». شكّل اللقاء السري الذي عقد في 3 تموز/يوليو 1957 في بون بين شيمون بيريز، الذي كان آنذاك مديراً عاماً لوزارة الجيش الإسرائيلية، ووزير دفاع ألمانيا الغربية فرانز جوزيف شتراوس، إحدى اللحظات الأولى في مسار التعاون بين الجانبين. خشي بن غوريون من أن تؤدي العلاقات المفتوحة مع ألمانيا إلى أزمة داخل الاحتلال، بينما خشي بون من أن يؤدي التعاون الواضح مع الاحتلال إلى الإضرار بعلاقاته مع العالم العربي وتعزيز المكانة الدبلوماسية لألمانيا الشرقية. وبحسب التقرير، رأت ألمانيا الغربية أن دعم دولة الاحتلال يمثل التزاما أخلاقيا واستثمارا استراتيجيا في الوقت نفسه، بينما تسعى حكومة الاحتلال للحصول على الدعم العسكري والسياسي. خلال تلك المحادثات، أشار بيريز إلى أن العلاقات بين ألمانيا الغربية وإسرائيل يجب أن تذهب إلى ما هو أبعد من اتفاقية التعويضات الموقعة في عام 1952. استجاب شتراوس بشكل إيجابي، بما في ذلك الطلب الإسرائيلي بشأن الغواصات، وعلى الرغم من أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يعتبر الغواصات في ذلك الوقت ضرورة ملحة، إلا أن الطلب ساعد في فتح الباب أمام تعاون دفاعي أوسع. وفي نهاية المطاف، تم شراء الغواصات من بريطانيا بتمويل ألماني، واشترت ألمانيا الغربية معدات عسكرية من إسرائيل تبلغ قيمتها حوالي 30 مليون دولار، مما ساعد في دعم تطوير صناعة الدفاع الإسرائيلية. ويشير التقرير إلى أن نقطة التحول الأبرز جاءت في 14 مارس 1960، عندما التقى بن غوريون والمستشار أديناور في فندق والدورف أستوريا في نيويورك. ورغم أن اللقاء كان علنيا، إلا أن مضمون المحادثات ظل سريا لسنوات، ولا يوجد محضر رسمي له، إلا أنه ينظر إليه على نطاق واسع على أنه علامة فارقة مهمة في تاريخ العلاقات الأمنية بين الطرفين. وربط بن غوريون خلال اللقاء أمن الاحتلال بالمحرقة بشكل مباشر، لافتا إلى أن تدمير يهود أوروبا أضعف المشروع الصهيوني بشكل كبير، وعرض الدعم الألماني كتعويض عن جرائم الماضي ومساهمة في ضمان بقاء الاحتلال في المستقبل. وبينما حظيت المساعدات العسكرية الألمانية باهتمام أكبر، يشير التقرير إلى أن العنصر الأكثر أهمية كان ترتيبًا ماليًا سريًا يُعرف باسم مساعدات “تطوير النقب”. أعطى مكتب أديناور لهذا البرنامج الاسم الرمزي “Aktion Geschaftsfreund” (عملية صديق الأعمال)، والتي بموجبها كان من المقرر أن تحصل “إسرائيل” على 50 مليون دولار سنويًا لمدة عشر سنوات بمعدل فائدة 3.6 بالمائة. وعلى الرغم من أن بون كانت تخطط لبدء البرنامج بعد انتهاء دفع التعويضات في عام 1965، إلا أن إسرائيل دفعت إلى تقديم تاريخ التنفيذ، وتم تحويل الدفعة الأولى في ديسمبر 1961. ونظرًا لحساسية القضية، لم يتم التوقيع على أي معاهدة رسمية. وبدلا من ذلك، وضع ممثل حكومة الاحتلال آنذاك، فيليكس شنار، ومستشار أديناور، هيرمان آبس، آلية لتحويل الأموال على شكل قروض تجارية عبر بنك تنمية مملوك للدولة في فرانكفورت. ولإخفاء الغرض الحقيقي من المدفوعات، وُصفت التحويلات في وثائق رسمية بأنها ترتيبات مالية مرتبطة باتفاقيات ثنائية مع دول نامية لم يذكر اسمها، ووافق وزيرا الاقتصاد والمالية الألمانيان على هذه الآلية، في حين تم إبقاء وزير الخارجية، بحسب التقرير، خارج دائرة المعرفة. أصبح الوضع أكثر حساسية في مايو 1960 عندما أعلن بن غوريون عن اعتقال المسؤول النازي أدولف أيخمان وخطط لمحاكمته في القدس. ويخشى المسؤولون في ألمانيا الغربية أن تلفت المحاكمة الانتباه إلى شخصيات بارزة في حكومة أديناور ممن خدموا في الحقبة النازية، بما في ذلك هانز غلوبكي، رئيس ديوان المستشارة، الذي ساعد في صياغة قوانين نورمبرغ وكان على علم بالعلاقات الناشئة مع “إسرائيل”. كان هيرمان أبس، الذي لعب دورًا محوريًا في آلية التمويل السري، مصرفيًا بارزًا أيضًا خلال الحقبة النازية. وأشارت الصحيفة إلى أن مشروع ديمونة لم يبنى على الدعم التكنولوجي الفرنسي فحسب، بل أيضا على تمويل مالي سري من ألمانيا الغربية، وإذا تأكدت هذه الترتيبات بشكل كامل، فإنها قد تمثل أحد الجوانب الأكثر تأثيرا والأقل اعترافا علنيا في تاريخ البرنامج النووي الإسرائيلي.


