وطن نيوز
تصريحات نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يائير لابيد، برفض تشكيل حكومة بدعم من حزب عربي، تنبع من حسابات سياسية دقيقة. وقد يكون تكتيكاً يهدف إلى جذب أصوات اليمين المعتدل، وخلق شعور بـ«الإجماع الصهيوني»، ومن ثم تحييد الهجمات المتوقعة من اليمين السياسي و«آلة التشويه» المنظمة. الأمر نفسه ينطبق على دعوة رئيس حزب ياشار غادي آيزنكوت إلى لقاء بين رؤساء أحزاب المعارضة، باستثناء الأحزاب العربية. لكن هناك حقيقة عميقة ومقلقة تكمن وراء هذا التكتيك، تكشف مدى نجاح حملة نزع الشرعية التي أطلقها اليمين ضد الجمهور العربي في إسرائيل، وعمق الخوف مما بقي من اليسار في الرد عليها. ولذلك فإن عبارة «اعتماداً على الصهاينة» ليست مجرد رسالة انتخابية، بل هي خط فاصل أخلاقي يرسم خطاً بين الداخل والخارج، بين المشروع والباطل، منذ البداية. وعندما يرسم ثلاثة من زعماء المعسكر الساعين لخلافة نتنياهو هذا الخط الفاصل، تصبح الرسالة الموجهة إلى الجمهور العربي واضحة: حتى البديل لا يعتبركم شركاء كاملين. ولا يمكن للمرء إلا أن يتخيل ماذا سيحدث لو أعلن مرشح في دولة غربية عن نيته تشكيل حكومة «بدون يهود»، أو دون التعاون معهم. وبعد ذلك سوف تندلع ضجة شعبية هائلة في إسرائيل، وسوف تنهمر الاتهامات بمعاداة السامية من جميع الجهات. في السابق، كانت شرعية هذا المرشح لتقوض، وكان النظام السياسي برمته سيحتشد ضده. أما بالنسبة للمواطنين العرب في إسرائيل، الذين يمثلون حوالي خمس السكان، فإن تصريحات مماثلة يتم الإدلاء بها بشكل روتيني دون إثارة أي دهشة كبيرة. كثيراً ما يتحدث لابيد عن رؤية “إسرائيل الجديدة”، الدولة التي من المفترض أن تضمن مستقبلاً أفضل لجميع مواطنيها. لكن الواقع على الأرض يقوض أساس هذه الفكرة. عملياً، عندما تتضمن نقطة انطلاق لابيد الإقصاء السياسي لقطاع كبير من الجمهور، فمن الصعب أن نتصور كيف يمكن تحقيق رؤيته. وبدلاً من “إسرائيل الجديدة”، سنحصل على نسخة محدثة من نفس السياسات القديمة، معسكر “نعم لنتنياهو” مقابل معسكر “لا لنتنياهو”، من دون تغيير جوهري في مفهوم الشراكة المدنية، وبالتالي، من دون أفق سياسي أو نهاية للاحتلال. في المقابل، أوضح بينيت أيضًا أنه في حال انتخابه سيبقي نصف قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، وأكد أنه لن يتخلى عنه مهما كانت الظروف. وعلى النقيض من قطاع غزة، لم يذكر بينيت الضفة الغربية على الإطلاق، حيث يضمها المستوطنون والجيش بحكم الأمر الواقع، بينما يطردون الفلسطينيين من مناطق واسعة ويرتكبون أعمال عنف. يتم تطبيق قوانين مثل قانون الجنسية وقانون كيمنتس في إسرائيل. إن عدم الاستعداد لقبول الجمهور العربي كشريك سياسي له بعد أمني واجتماعي. لكن الأمر يزداد سوءا. منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وجدت قطاعات واسعة من الجمهور اليهودي صعوبة في قبول فكرة الشراكة السياسية مع الأحزاب العربية. لقد أصبح الخوف والصدمة وانعدام الثقة أدوات سياسية يسهل استخدامها لتبرير الخطوط الحمراء والفوز بالمزيد من المقاعد، لكن الزعامة الحقيقية تقاس بالقدرة على توسيع أفق الشراكة، وليس تضييقه، وخاصة في أوقات الأزمات. إن رد فعل النظام السياسي على تصاعد العنف في إسرائيل، في المجتمع اليهودي وفي المجتمع العربي، يكشف أيضاً عن اغتراب المواطنين العرب. لقد حشد النظام برمته قوته عندما وقعت جريمة قتل مروعة في بتاح تكفا، ولكن عندما يندلع العنف في المجتمع العربي، فإن الاستجابة غالباً ما تكون بطيئة أو جزئية أو مشروطة. في السياق السياسي، كانت تصريحات بينيت ولابيد بشأن مسألة العنف مهمة، لكنها لم تغير الشعور السائد في الرأي العام العربي: هذا قلق انتقائي، وليس سياسة متماسكة. وفي الوقت نفسه، تستمر الحملات السياسية بنفس الطريقة المنفرّة. إن محاولة حزب الليكود استخدام صورة منصور عباس كأداة هجوم، على سبيل المثال من خلال صور الذكاء الاصطناعي التي تقارنه بلبيد وبينيت، تهدف إلى إثارة مخاوف قديمة. لكن الرأي العام لا ينسى بسهولة أن نتنياهو نفسه، ولا أحد غيره، هو الذي سبق أن بادر إلى الشراكة مع حزب عربي عندما حاول كسب أصوات الجمهور العربي في حملة “أبو يائير” في انتخابات 2020. الوضع لا يختلف كثيرا الآن. البديل السياسي الذي يمثله بينيت ولابيد وآيزنكوت يتوقع أن يتوجه الجمهور العربي إلى صناديق الاقتراع ويدعم التغيير، سواء بالتصويت لأحزابه أو للأحزاب العربية التي يمكنه التعاون معها. ومن ناحية أخرى، يتبنون خطاباً يبعدهم، وهذا توتر لا يدوم طويلاً. فالجمهور الذي يشعر بأنه مستبعد من اللعبة السياسية مقدما قد يختار أحد المسارين: إما مقاطعة الانتخابات بسبب اليأس، أو الاتحاد مع تمثيل مستقل أقوى. وقد يتخذ هذا التمثيل شكل قائمة مشتركة كبيرة تسعى إلى تعظيم النفوذ السياسي والتأثير على الحكومة المقبلة من الخارج. بهذا المعنى تصبح استراتيجية بينيت ولابيد وايزنكوت سلاحاً ذا حدين. وقد يجذب أصوات اليمين، لكنه قد يشجع الناخبين العرب على مقاطعة الانتخابات، وهو ما سيغير موازين القوى، أو التصويت للأحزاب العربية فقط. إضافة إلى ذلك، فإن قيادات حزب “معاً” وحزب “يشار” تعمل على تعميق الشعور بالغربة لدى الجمهور العربي. وحتى لو تم تشكيل حكومة جديدة من دون نتنياهو، فإن هذا الشعور لن يختفي. سيكون على الناخبين في الانتخابات المقبلة أن يقرروا ليس فقط من سيخلف نتنياهو، بل الأهم من ذلك، كيف سيكون شكل النظام السياسي الذي سيقام مكانه، والذي يصر على التصويت. وإذا تم بناء “إسرائيل الجديدة” على أساس استبعاد 20% من مواطنيها، فإنها لن تكون جديدة حقاً، بل هي استمرار مباشر لنفس النظام القديم. إن التغيير السياسي الحقيقي يتطلب نوعاً مختلفاً من الشجاعة، ليس فقط تغيير الزعامة، بل وأيضاً إعادة تحديد حدود الشراكة المدنية. جاكي خوري هآرتس 29/04/2026


