وطن نيوز
لقد اعتادت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على التبرير للرأي العام والعالم أنه على الرغم من الواقع الاستثنائي الذي تمثله السيطرة العسكرية على ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلا أن هناك نظام مؤسسي من الضوابط يمنع تصعيد الاستخدام التعسفي للقوة. لم تكن هذه مجرد شعارات، بل آليات لتحقيق ذلك: الشاباك الذي حارب الإرهاب اليهودي؛ الشرطة الإسرائيلية، التي كان من المفترض أن تطبق القانون على المواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية؛ الإدارة المدنية، التي عملت على حماية حقوق الفلسطينيين؛ مكتب المدعي العام العسكري، الذي يضع الحدود القانونية؛ القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي، التي سعت إلى الحفاظ على التوازن في مواجهة ضغوط قادة المستوطنين أو الضغوط على المستوى السياسي؛ المستوى السياسي الذي حدد حدود العمل؛ حافظ المناخ العام في إسرائيل، رغم الخلافات السياسية، على خطوط حمراء ضد العنف المدني. وقد تآكلت منظومة الضوابط هذه، وأصبح هذا التآكل ملموساً وموثقاً على أرض الواقع في السنوات الأخيرة. وقد تعمقت هذه التغيرات منذ تشكيل الحكومة الحالية، وازدادت حدتها بعد أحداث 7 أكتوبر. فقد أضعفت كل قيود النظام، أو حولت إلى مسارات أخرى، أو تعرضت للضغوط السياسية. وكان القسم اليهودي من الشاباك دائما حلقة وصل مهمة في مكافحة عنف المستوطنين، لكنه أصبح في السنوات الأخيرة هدفا سياسيا. واتهمه الوزراء اليمينيون وأعضاء الكنيست بالاضطهاد الأيديولوجي، بل وطالبوا بتقليص صلاحياته. ومن أبرز الخطوات في هذا الصدد قرار وزير الدفاع يسرائيل كاتس بتقليص، بل ووقف، استخدام الاعتقال الإداري ضد أعضاء اليمين المتطرف، والذي كان في السابق أداة رئيسية لمنع الإرهاب اليهودي. ويجب أن تكون الشرطة الإسرائيلية أيضًا أحد القيود الرئيسية، لأن المواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية يخضعون للقانون الإسرائيلي، ومن المفترض أن تقوم الشرطة بالتحقيق في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون. لكن معطيات تطبيق القانون تشير إلى فشل في ذلك، وتشير تقارير جمعية “يشركم” إلى أن 3% فقط من ملفات التحقيق في الجرائم ذات الدوافع الأيديولوجية التي يرتكبها إسرائيليون ضد الفلسطينيين تنتهي بتوجيه لائحة اتهام. بمعنى آخر، لا يتم تقديم أي شخص إلى العدالة في معظم حالات العنف مثل الحرق العمد والاعتداء وتدمير الممتلكات. وحتى عند إجراء التحقيق، غالبًا ما يتم إغلاق الملفات بسبب عدم كفاية الأدلة. إن جهاز تطبيق القانون الذي يرأسه الوزير بن جفير يساهم في الواقع في استمرار أعمال العنف. لسنوات، كانت الإدارة المدنية هيئة مهنية داخل المؤسسة الأمنية، مصممة لإدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية والعمل كثقل موازن للأنشطة الأمنية التي تنتهك الحقوق الفلسطينية. وفي إطار الاتفاقيات الائتلافية الحكومية الحالية، تم نقل صلاحيات واسعة من الإدارة المدنية إلى وزير الدفاع الثاني سموتريش، المسؤول عن قطاع المستوطنات. ويعتبر هذا تغييرا هيكليا جذريا. ويعتبر سموتريش أحد أبرز قادة التوسع الاستيطاني. وعندما تكون هيئة مهنية تابعة فعلياً لكيان سياسي ملتزم بتوسيع الاستيطان، فمن الصعب اعتبارها كابحاً فعالاً. وكانت النيابة العسكرية من أهم آليات الرقابة، إذ حددت حدود مشروعية تصرفات الجيش، وفتحت ملفات التحقيق، وحتى أوقفت العمليات العسكرية. وفي السنوات الأخيرة، وخاصة منذ الحرب في قطاع غزة، تزايدت الضغوط السياسية والشعبية للحد من المراجعات القانونية الموجهة إلى الجيش، وانتشرت عبارة “تكبيل أيدي المقاتلين”. إن القيادة العليا للجيش الإسرائيلي تقف فوق كل هذا. وشدد جنرالات القيادة المركزية على أن عنف المستوطنين ليس مشكلة أخلاقية فحسب، بل يمثل أيضًا تهديدًا أمنيًا. ومع ذلك، تزايد التوتر في السنوات الأخيرة بين القوة العسكرية والقوة السياسية. ويعتقد كثيرون أن تعيين آفي بلوط في منصب قائد المنطقة الوسطى له دلالات سياسية، حيث يرتبط بلوط بالرأي العام القومي الديني والاستيطان، ويخشى المنتقدون من أن يشير تعيينه إلى استعداد أكبر لقبول توسيع المستوطنات ووجود المستوطنين العنيفين. والعامل الأهم هو القيادة السياسية. عندما يعلن كبار الوزراء دعمهم للأعمال الاستيطانية أو يهاجمون سلطات إنفاذ القانون، تصل رسالتهم. وعندما لا يصبح المستوى السياسي عائقا، تضعف كل الآليات الأخرى. وأخيرا المناخ العام. لسنوات طويلة كان هناك جدل في إسرائيل حول المستوطنات ومستقبل الضفة الغربية. ولكن لا يزال هناك إجماع واسع النطاق ضد العنف المدني. حتى أن غالبية الجمهور الذي يؤيد الاستيطان عارض إجراءات “بطاقة الثمن”. لكن 7 أكتوبر غيّر المناخ العام وأدى إلى تصلب المواقف. وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع تأييد العملية السياسية وزيادة تأييد الإجراءات القسرية. ومع ازدياد تسامح المناخ العام مع العنف، ستصبح الآليات المؤسسية لمكافحته أكثر صعوبة. عند فحص هذه العناصر السبعة تظهر صورة مزعجة. ولم يسقط أي منهم دفعة واحدة. القسم اليهودي ما زال قائما، والشرطة ما زالت تجري التحقيقات، والإدارة المدنية نشطة، والنيابة العسكرية تراجع الإجراءات – لكن كل منهما فقد جزءا من سلطته. تشير الكثير من الأدبيات المتعلقة بالنزاعات الممتدة إلى نمط ثابت: عندما تتآكل آليات السيطرة ويزداد تواتر العنف، فإن تصاعد العنف يترتب على ذلك. وهذا ما يحدث بالفعل في الضفة الغربية، حيث ارتفع عدد حوادث العنف بشكل كبير، سواء من قبل المستوطنين أو في سياق العمليات العسكرية. ولا تقتصر عواقب ذلك على الجوانب الأخلاقية والقانونية فقط، بل تمتد إلى الجوانب الأمنية أيضًا. يعلمنا تاريخ الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين أن التصعيد في الضفة الغربية لا يبقى محصورا في نطاق ضيق، بل يميل إلى التصعيد سريعا والتحول إلى صراع أوسع. ولذلك، فإن تآكل آليات الرقابة ليس مجرد مشكلة تتعلق بسيادة القانون، بل مشكلة استراتيجية. وفي نهاية المطاف، فإن السؤال ليس ما إذا كان لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ـ وهذا حق أساسي لكل دولة ـ بل ما إذا كانت قادرة أيضاً على الحفاظ على حدود القوة التي تستخدمها. وقد تم تطوير آليات ضبط النفس لهذا الغرض بالتحديد. وإذا تآكلت هذه الآليات، فإن إسرائيل لن تفقد أداة مهمة لإدارة الصراع فحسب، بل إن أمنها واستقرارها وطابعها الديمقراطي سيتعرض للخطر. شاؤول اريئيلي هآرتس 19/03/2026


