اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-11 16:49:00
إن المقاومة الفلسطينية ليست ظاهرة مؤقتة في التاريخ السياسي للمنطقة، كما أنها ليست خياراً قسرياً ناتجاً عن لحظة انسداد سياسي مؤقت. بل هو تعبير بنيوي عن نضال تحريري طويل تشكل منذ بدايات المشروع الاستعماري في فلسطين. إن التعامل معها كرد فعل أو مغامرة ظرفية لا يعكس نقصا أخلاقيا بقدر ما يكشف عن خلل تحليلي عميق، لأن هذا النهج يفصل الحدث عن مساره، ويعزل المعركة عن بنيتها التاريخية، ويقيس الصراعات المعقدة بمنطق النتائج السريعة وليس بمنطق التراكم الاستراتيجي. إن القراءة طويلة المدى تظهر أن المقاومة الفلسطينية تحركت تاريخياً وفق منطق موج، تتقدم عبر دورات صعود وهبوط، تتغير فيها الأدوات والسياقات، بينما يبقى جوهر الصراع ثابتاً. كل موجة حملت كلفة أعلى، لكنها في المقابل تراكمت لديها خبرة ووعي وقدرة أكبر، سواء على مستوى التنظيم أو الردع أو السرد. وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم طوفان الأقصى على أنه معركة معزولة أو مقامرة غير محسوبة، بل على أنه ذروة نوعية في مسار موجة وصلت إلى حدها الأقصى من حيث تأثيرها البنيوي، وليس من حيث النتائج السطحية المباشرة. الخلل المركزي في كثير من القراءات التي تلت هذه المرحلة هو اختزال التقييم في حجم الدمار وعدد الضحايا، وكأن المعاناة الإنسانية هي المعيار الكافي للحكم على النتائج الاستراتيجية. وهذا الخلط، رغم أنه مشروع ومؤلم، يؤدي إلى استنتاجات مضللة. فالمعاناة، مهما كانت قاسية، لا تساوي هزيمة عسكرية إلا إذا أدت إلى كسر الإرادة، أو تفكيك القدرة، أو فرض الاستسلام السياسي، وهو ما لم يحدث. بل على العكس من ذلك، كشفت هذه المرحلة عن حدود القوة العسكرية المجردة، وأظهرت هشاشة الافتراضات المركزية التي قام عليها النظام الأمني الإسرائيلي لعقود من الزمن. وشهدت البيئة الأمنية للكيان اضطرابا غير مسبوق، ليس على مستوى الجبهة العسكرية فحسب، بل أيضا على العمق النفسي والسياسي والاجتماعي. تآكلت صورة الردع المطلق، وتهشمت ثقة المجتمع بالدولة وقدرتها على الحماية، وتحول الأمن من بديهية إلى سؤال مفتوح. في موازاة ذلك، تسارعت عملية تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية للكيان في الوعي الدولي، حيث لم تعد إسرائيل قادرة على تسويق حربها على أنها دفاع عن النفس، بل أصبحت تحاكم كقوة احتلال تمارس العنف المفرط دون أفق سياسي. وهذا التحول في مجال الشرعية لا يقل أهمية عن التحولات العسكرية، لأنه يعيد تحديد ميزان الصراع خارج مجال السلاح، في مجال الخطاب والقبول الدولي والقدرة على الاستمرار. إن عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية لم تكن نتيجة تعاطف إنساني عابر، بل نتيجة انكشاف بنيوي لطبيعة الصراع كقضية استعمار استيطاني لم يتم حلها، بل تم تعليقها قسراً. وبهذا المعنى، لم يكن طوفان الأقصى حدثاً أغلق صفحة، بل صدمة أعادت فتح الملف من أسسه. ومن هنا فإن وصف المقاومة بأنها عبء على الشعب الفلسطيني يبدو وكأنه قراءة معاكسة للواقع. العبء البنيوي الحقيقي هو الاحتلال نفسه، واستدامته، وإعادة إنتاجه سياسياً تحت عنوان الواقعية والاستقرار. إن المقاومة، بكل ما يرافقها من تكاليف، لم تكن يوماً نقيض الهوية الفلسطينية، بل إحدى أدوات حمايتها ومنع إفراغها من محتواها. إنه ليس مشروع موت، بل هو محاولة دائمة لمنع الموت البطيء، وموت المعنى، والحقيقة، والقدرة على الفعل. في هذا السياق، تظهر محدودية الطروحات السياسية التي تبقي الاحتلال أصلاً ثابتاً في معادلة الحل، والتي تدور حول نزع سلاح المقاومة بدلاً من تفكيك بنية السيطرة الاستعمارية. وهذه المقترحات، مهما تزينت بلغة الهدوء وإدارة الأزمات، تفتقر إلى أي ضمانات حقيقية للسيادة أو الأمن أو الحقوق، وتعيد إنتاج نفس ظروف الهشاشة التي أشعلت شرارة كل جولات الصراع السابقة. إن نزع السلاح في ظل الاحتلال ليس تسوية، بل هو إعادة ضبط لاختلال توازن القوى، وتأجيل منظم للانفجار القادم بشروط أسوأ. الرهان الاستراتيجي الأكثر واقعية لا يكمن في تفكيك أدوات الصمود، بل في تعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية على أساس وعي تاريخي صارم، يفرق بين النقد الضروري والتفكيك الممنهج، ويدرك أن ما حدث ليس نهاية المسار بل محطة فاصلة بين موجتين. موجة بلغت ذروتها وكسرت التوازنات القائمة، وستتشكل موجة قادمة في بيئة مختلفة، أكثر تعرضاً للعدو، وأقل تسامحاً مع القوة المجردة، وأكثر حساسية لمسألة الشرعية. إن الاحتجاج الشعبي الواسع حول خيار المقاومة لا يعني التفويض المطلق ولا الإعفاء من المساءلة، لكنه يعكس وعياً جماعياً بأن الصراع لم يُحل، وأن الكرامة ليست ترفاً سياسياً بل شرط وجود. ومن يطالب الفلسطيني اليوم بالاختيار بين الحياة والمقاومة يتجاهل أن غياب المقاومة لم ينتج الحياة، بل شكل آخر من أشكال الموت المؤجل. وفي الختام، لا يمكن فهم ما حدث أو توقع ما هو قادم دون الخروج من أسر اللحظة، ودون إعادة بناء التحليل على أساس الصراع الطويل، وليس الحدث العابر. الشعوب لا تنتصر لأنها الأقوى في لحظة معينة، بل لأنها الأكثر قدرة على تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى استمرارية. وبهذا المعنى فإن المقاومة الفلسطينية، بكل تعقيداتها وتكاليفها، تظل جزءاً لا يتجزأ من معادلة التاريخ، وليست استثناءً لها.




