اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-18 06:31:00
المعركة على فلسطين هي معركة على الرواية، وعلى الاسم، وعلى المصطلح، وعلى ما يغرس في وعي الطفل قبل أن يتشكل فهمه للعالم. عندما يتم استهداف الجغرافيا في الكتب، واستبدال المصطلحات الوطنية بمصطلحات محايدة، وحذف النشيد الوطني، وحذف الرموز التاريخية وقضية الأسرى من النص التربوي، فإننا لسنا أمام تحديث تربوي، بل أمام مشروع إعادة هندسة الوعي تحت راية الإصلاح. يجب تفكيك التعديلات المتوقعة على المنهاج الفلسطيني للعام 2026/2027 ضمن سياق أوسع من سياسات السيطرة الرمزية ومحاولات إنتاج طالب منعزل، منفصل عن تاريخه، محايد تجاه قضيته، ويعاد تشكيله وفق معايير التوازنات السياسية الخارجية أكثر من استجابته للاحتياجات التربوية الداخلية. وأخطر ما في هذه التعديلات هو ما يتم إعادة تعريفه. استبدال الكلمة هو عملية إعادة ترميز للهوية، وعندما تُحذف أسماء المدن الفلسطينية من الكتب، تتحول الجغرافيا من فضاء الانتماء إلى فراغ دلالي. عندما يُلغى النشيد الوطني، فهذا يعني حذف رمز سيادي من ذاكرة المدرسة. وعندما تغيب قضية الأسرى، يدفع الوعي نحو حالة من التطبيع الصامت مع واقع القمع. وبهذا المعنى تصبح المنهاج ساحة للصراع السياسي بامتياز، وتتحول المدرسة إلى ساحة لإعادة إنتاج رواية مروّضة لا تتصادم مع الاحتلال، ولا تحرج الممول، ولا تربك التوازنات الدولية. إنها هندسة سياسية ناعمة تمارس عبر أدوات تعليمية، هدفها الأسمى هو إعادة صياغة الوعي الوطني لدى جيل ما بعد الإبادة الجماعية، وبعد الحصار، وبعد طول استنزاف. فالمنهاج أداة سيادة، وليس مجرد مادة تعليمية. إن المنهج في الحالة الفلسطينية يمثل وثيقة سيادية مكتوبة بلغة التعليم. فالدولة، حتى وهي تحت الاحتلال أو في طور التشكل، تمارس سيادتها أولاً من خلال تحديد ما يجب أن يعرفه أبناؤها عن أنفسهم، وعن تاريخهم، وعن عدوهم. ومن هنا يصبح التعليم ركيزة أساسية في بناء الهوية الوطنية، ومؤسسة لإنتاج وإعادة إنتاج الوعي بين الأجيال. المنهج هو المساحة التي تصاغ فيها الرواية الرسمية للذات الوطنية. إنه العقد غير المعلن بين المجتمع وأبنائه. هذا تاريخكم، وهذه جغرافيتكم، وهؤلاء شهداؤكم، وهذه معركتكم الأخلاقية. وعندما يتم التلاعب بهذا العقد مرة أخرى، فإن الأمر يمس جوهر السيادة الرمزية. أي حق الشعب في تسمية نفسه ووصف واقعه وتحديد مكانه في التاريخ. وفي السياقات الاستعمارية، يتم استهداف المناهج الدراسية على وجه التحديد لأنها تمثل المعقل الأخير لتاريخ الشعب. قد يسيطر المحتل على الأرض، لكنه يدرك أن السيطرة المستدامة تأتي من خلال تفكيك البنية المعرفية التي تنتج المقاومة. ولذلك تصبح المدرسة ساحة صامتة للصراع، صراع على الكلمة، على الخريطة، على الصورة المصاحبة للنص. ومن ثم، لا يمكن التعامل مع التعديلات المتوقعة على أنها تحسين فني. نحن نواجه محاولة لإعادة تعريف معنى أن تكون طالبًا فلسطينيًا. هل أنت حامل لذاكرة حية، أم مجرد متلقي لخطاب أصم، مصمم بعناية بحيث لا يخل بالتوازن السياسي؟ إعادة إنتاج الخطاب المدرسي يتم تقديم الحياد في الخطاب الرسمي كقيمة تربوية عليا، وكأن المدرسة يجب تعقيمها من السياسة. لكن هذا الاقتراح يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أنه لا يوجد حياد في بيئة غير محايدة. يعيش الطالب الفلسطيني واقعاً احتلالياً يومياً، حيث السياسة شرط وجودي. وفي مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن الحياد أقرب إلى إعادة تعريف الواقع بدلاً من وصفه. ويكشف مفهوم الحياد أنه غالبا ما يكون هناك انحياز ضمني للطرف الأقوى، عندما يتم استبدال مفردات المقاومة بمصطلحات سلسة مثل الصراع أو التوتر. الكلمات ليست أوعية فارغة؛ وهي حاملات دلالية تحدد موقف الجاني والضحية، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بسياسة التجانس البلاغي، وهي نقل الكلمة من مجالها التحريري إلى مجال لغوي منزوع التضارب. وبهذا المعنى يتحول الحياد من قيمة تربوية إلى آلية رقابية. إنها أداة لإنتاج طالب لا يتصادم، لا يشكك في السياسة القائمة، ولا يرى نفسه امتدادا لمسيرة نضالية. إنها عملية إعادة إنتاج للخطاب المدرسي بحيث يصبح أكثر توافقا مع متطلبات الممول والمعايير السلمية الدولية، وأقل تعبيرا عن المزاج الوطني التحرري. محو الرموز وإعادة تشكيل الذاكرة. وإذا كانت الكلمة تعيد تشكيل المعنى، فإن الرمز يعيد تشكيل معنى الانتماء، وحذف النشيد الوطني من الكتب هو إقصاء لعلامة سيادية. فكرة الوطن تختزل في لحن وكلمات. يمثل النشيد طقوسًا ترسيخ فكرة المجتمع المتخيل. وعندما يتم حذفه من النص التعليمي، فإن الرسالة الضمنية هي أن الرمز قابل للتفاوض، وأن السيادة قابلة للتقسيم. أما حذف أسماء المدن الفلسطينية من الكتب، فهو عمل يتجاوز الجغرافيا لإفراغ المكان من معناه السياسي. تعتبر المدينة على الخريطة حاملة لذاكرة النكبة والتهجير والصمود، وحذف الاسم يعني اختزال الذاكرة في إطار عام مبهم، وتحويل الجغرافيا من مساحة الانتماء إلى مساحة محايدة بلا تاريخ. وهي عملية إعادة هندسة الخرائط الذهنية للطالب، بحيث تتآكل العلاقة العضوية بين الاسم والمكان والحقيقة. إن غياب قضية الأسرى يندرج في نفس سياق إعادة تعريف قواعد المواجهة أخلاقيا وتاريخيا. الأسرى في الرواية الوطنية رمز لاستمرارية المواجهة وثمن الحرية، وإخراجهم من المناهج الدراسية يعني إعادة صياغة المعادلة الأخلاقية للمواجهة، بحيث تختزل إلى خلاف سياسي يمكن إدارته، وليس إلى قضية تحريرية ذات أبعاد إنسانية وقانونية عميقة. بهذه الخطوات التدريجية -حذف النشيد، حذف المدن، إخراج السجناء- يتم العمل على تفكيك الذاكرة عبر الأدوات التعليمية. إنه مسار تآكل بطيء، حيث تتم إعادة تشكيل وعي الجيل الجديد ليصبح أقل ارتباطاً برواده التاريخي، وأكثر استعداداً لاستقبال سردية مُعاد توازنها سياسياً. وهنا تتجلى خطورة اللحظة، حيث تتم إعادة تصميم المناهج الدراسية كفضاء لإدارة الوعي، وليس لتعزيزه، وفي هذا الفارق الدقيق يكمن جوهر الهندسة السياسية التي تهب اليوم على التعليم الفلسطيني. الضغوط الدولية والهندسة المشروطة: لا يمكن قراءة التعديلات المقترحة على المنهاج الفلسطيني بمعزل عن البنية التمويلية التي تحكم قطاع التعليم. يعمل النظام التعليمي في فلسطين في بيئة تتسم بالاعتماد المالي الخارجي الشديد، سواء من خلال الجهات المانحة الدولية أو الوكالات المتعددة الأطراف. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالهندسة المشروطة، حيث يتم إعادة توجيه المحتويات وفق تصورات سياسية محددة. ويأتي التمويل المشروط في كثير من الأحيان في شكل معايير، وتقارير تقييم، ومتطلبات الامتثال، ومصطلحات مثل منع التحريض وتعزيز ثقافة السلام. تبدو هذه العناوين إنسانية على السطح، لكنها تُستخدم أحيانًا لإعادة ضبط السرد الوطني في الكتب المدرسية. وشهدت السنوات الماضية سجالات متكررة حول المناهج الفلسطينية في التقارير الصادرة عن مؤسسات أوروبية، حيث ارتبط استمرار الدعم المالي بدرجة توافق محتوياتها مع رؤى سياسية محددة. إن العلاقة بين ما يسمى بالإصلاح ومتطلبات البيئة السياسية ليست علاقة بريئة. وفي لحظات التحول الإقليمي الكبرى، يُعاد فتح ملف المناهج الدراسية كمدخل للتغيير طويل المدى. فالطالب الذي يتلقى خطاباً بلا قسوة اليوم سيكون مواطناً أقل حساسية لقضايا السيادة غداً، ومن هنا يصبح المنهج أداة لإعادة هندسة المستقبل السياسي من خلال إعادة صياغة الوعي المدرسي في الحاضر. أثر التعديلات على الجيل الفلسطيني القادم. وأخطر ما في هذه التعديلات هو تراكمها البطيء على وعي الجيل القادم. عندما يتم إعادة إنتاج الخطاب المدرسي ليكون محايدًا بالقوة، فإن النتيجة المتوقعة هي تكوين طالب منعزل. ويرى أي طالب أن الصدام حدث تاريخي بعيد، وليس واقعا سياسيا وأخلاقيا يؤثر عليه بشكل مباشر. وفي السياق الفلسطيني، حيث تشكل المدرسة إحدى المساحات القليلة المتبقية لإعادة بناء الرواية الوطنية في ظل الانقسام والحصار، فإن إفراغ المنهج من رموزه ومعانيه يخلق فراغا في الهوية. وهذا الفراغ قد لا يظهر فوراً على شكل رفض أو صدام، لكنه يتجلى تدريجياً في ضعف الانتماء وتآكل الإحساس بالقضية. تشير نماذج الواقع إلى أن الأجيال التي تنشأ في بيئات تعليمية خالية من البعد الوطني تميل إلى تبني قراءة أكثر فردية للصراع، حيث يتم اختزال القضية في معاناة إنسانية مجردة وليس في مشروع تحرري. وبمرور الوقت، يتحول الانتماء من رابطة تاريخية سياسية إلى شعور عاطفي هش، عرضة للتآكل تحت ضغط الواقع الاقتصادي والاجتماعي. وترتبط المخاطر طويلة المدى بالوعي. عندما تعاد صياغة المفاهيم المركزية، الوطن، المقاومة، الأسر، والسيادة ضمن النص المدرسي، فإننا أمام عملية إعادة هيكلة للذاكرة المؤسسية، وعندما تضعف الذاكرة في المدرسة، يصعب استعادتها لاحقاً في الفضاء العام. بين التطوير المشروع والتفكيك المنهجي، لا بد من التمييز بين تحديث المناهج كحاجة تعليمية ملحة، وبين إفراغها من محتواها الوطني تحت عنوان التطوير. إن التعليم الفلسطيني في حاجة ماسة إلى مراجعات منهجية، مثل تطوير مهارات التفكير النقدي، وتعزيز التعليم الرقمي، وتحديث أساليب العرض، والمواءمة مع التحولات المعرفية العالمية. لكن هذه التحديثات لا تتطلب اقتلاع الرموز أو تحييد الرواية الوطنية. وتهدف التنمية الشرعية إلى رفع جودة التعليم، وليس إلى إعادة تعريف الهوية. أما التفكيك المنهجي فيعمل على تقليص وجود العناصر السيادية في النص وتحويل المنهج إلى فضاء تعليمي مُدار سياسيا. والفرق بين الاثنين يكمن في السؤال المركزي: هل تم تطوير المنهج لتقوية الطالب الفلسطيني، أم لإعادة تشكيله بما يتوافق مع المتطلبات الخارجية؟ إن الإصلاح الحقيقي الذي يحتاجه التعليم الفلسطيني يبدأ بتعزيز المناهج الدراسية، وليس تحييدها. تمكين الطالب من فهم تاريخه بعمق نقدي وعدم عزله عنه، واستعادة المنهج كمساحة تحصين يعني إعادة تأهيله كوثيقة سيادية. تمثل المدرسة في الحالة الفلسطينية إحدى منصات ترسيخ الوعي في مجتمع يتعرض لمحاولات مستمرة لإعادة التشكيل، وهناك خط رفيع بين التطوير والتأقلم، لكن تجاوزه يعني الانتقال من إصلاح التعليم إلى إعادة هندسة الهوية نفسها. المشكلة ليست في تعديل الدرس أو حذف فقرة. تكمن المشكلة في المسار الذي يُدفع إليه الوعي الفلسطيني من داخل المدرسة. إن المنهج ليس مادة تعليمية بقدر ما هو وعاء للسيادة الرمزية وذاكرة مكتوبة للأجيال. وعندما تدار التعديلات بمنطق القبول الدولي أكثر من منطق الحق الوطني، فإن الخطر على الهوية يكون طويل الأمد. وأخطر الهندسة السياسية هي تلك التي تمارس من خلال الكلمة والرمز والخريطة، وبين التطوير الذي يحصن الطالب بهويته، والتعديل الذي يفرغه منها. يقف التعليم الفلسطيني على مفترق طرق حاسم: فإما أن يبقى معقلاً للذاكرة، أو يتحول إلى أداة لإعادة تشكيله خارج إرادة أصحابه.



