اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 08:48:00
خاص للمركز الفلسطيني للإعلام: الناجي عندما يخرج من تحت الركام لا يخرج بمفرده. يأتي معه بيتٌ تهدم، وصوتٌ انقطع، ووجوهٌ لم تسعفها الثواني الأخيرة. ولهذا السبب لا يمكن قراءة قصص الناجين من القصف الإسرائيلي على غزة باعتبارها شهادات فردية معزولة، بل كسجل حي لجريمة مستمرة، ولحياة الفلسطينيين المستهدفة بتفاصيلها اليومية – من غرفة النوم إلى صف الخبز، ومن المدرسة إلى خيمة النزوح. في غزة، لا يبدأ البقاء على قيد الحياة مع لحظة الخروج من تحت الأنقاض، ولا ينتهي مع الوصول إلى المستشفى أو مركز الإيواء. نجا الكثير من الناس من القصف، لكنهم فقدوا عائلاتهم، أو أطرافهم، أو منازلهم، أو قدرتهم على النوم دون خوف. وهذا ما يجعل كلمة “الناجين” نفسها ناقصة إذا فهمت بمعناها الضيق. البقاء هنا مؤقت، مشروط، ومثقل بأعباء لا تقل قسوة عن لحظة الانفجار نفسه. قصص الناجين من قصف غزة ليست أرقاماً. الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تقصف غزة تراهن دائماً على تحويل الناس إلى إحصائيات. عدد الشهداء، عدد الجرحى، عدد المنازل المدمرة، عدد النازحين. لكن ما تكشفه قصص الناجين من قصف غزة هو أن كل رقم يحتوي على عالم كامل. كانت أم تحضر الطعام لأطفالها، فاستيقظت في المستشفى تسأل عنهم واحدًا تلو الآخر. خرج طفل من تحت الإسمنت وهو يظن أن الليل لم ينته بعد، لأن الغبار حجب النهار. ونجا أب لأنه تأخر بضع دقائق خارج المنزل، فعاد ليجد أن عائلته بأكملها سبقته إلى الاستشهاد. ومن بين هؤلاء الناجين الطفل عمر حازم أبو كويك 6 سنوات. وفي قصف الاحتلال لمنزلهم في النصيرات يوم 6 كانون الأول 2023، فقد والده وأمه وأخته وجده وجدته، وتم إنقاذه من تحت الأنقاض بعد تعرضه لإصابة خطيرة في الرأس. لكن هذا ليس كل ما خسره عمر في هذا القصف، فقد فقد يده أيضاً. ولا تكشف هذه الشهادات مدى الإرهاب الإسرائيلي فحسب، بل تكشف أيضًا طبيعته. نحن لا نتحدث عن أضرار جانبية كما تروّج الرواية الإسرائيلية ومن يردّدها، بل نتحدث عن استهداف ممنهج للبنية المدنية والنسيج الاجتماعي الفلسطيني. وعندما يتم قصف المنازل المزدحمة، أو المدارس التي تؤوي النازحين، أو المستشفيات، فإن الرسالة لا تكون عسكرية فقط. الرسالة هي أن الفلسطيني في غزة يجب أن يبقى بلا مأوى. لحظة القصف كما روى الناجون. يصف العديد من الناجين اللحظة الأولى بنفس الطريقة تقريبًا: وميض، ثم فراغ سمعي، ثم غبار كثيف، ثم صراخ يأتي من كل اتجاه. لكن التفاصيل الصغيرة هي التي تبقى في الذاكرة. رائحة البارود الممزوجة بالإسمنت، صعوبة في التنفس، محاولة تحريك اليد للتأكد من أنها لا تزال في مكانها، ومناداة الأطفال بأسماء الأطفال قبل السؤال عن الجرح. ويقول بعضهم إنهم لم يشعروا بالانفجار نفسه، بل بما تبعه. جسد محصور بين كتل خرسانية، وظلام كثيف، وإحساس بأن الزمن توقف. ويتحدث آخرون عن دقائق طويلة تحت الركام سمعوا خلالها أنين أقاربهم ثم تلاشى الصوت تدريجياً. هذه ليست صورًا درامية يتم استحضارها لتأثير عابر، بل هي مكونات ثابتة للتجربة الفلسطينية داخل القطاع المحاصر والمستهدف. والأمر اللافت للنظر هو أن العديد من الناجين لا يبدأون رواياتهم بأنفسهم، بل مع الآخرين. تتحدث امرأة لأول مرة عن ابنتها التي كانت تمسك بثوبها، ويذكر رجل جاره الذي حاول إزالة الحجارة بيديه، وطفل يسأل عن أخيه قبل أن يجيب على اسمه. وحتى في ذروة المأساة، تبقى الجماعة حاضرة في الوعي الفلسطيني، وكأن البقاء لا يكتمل إلا بالعثور على آخرين. بين الركام والمستشفى والخيمة، المسافة بين موقع القصف ومكان «الأمان» في غزة غير واضحة. من يغادر بيتاً مدمراً قد يصل إلى مستشفى مكتظ يفتقر إلى الدواء والكهرباء، أو إلى مدرسة تحولت إلى ملجأ، أو إلى خيمة لا تدفع البرد ولا الحر. وبالتالي فإن شهادة الناجين تمتد عبر الزمان والمكان. القصف ليس لحظة واحدة، بل سلسلة متواصلة من الانكشاف والعجز والانتظار. وفي المستشفيات، يواجه الناجون صدمة أخرى. ومنهم من يتعرف على أقاربه ضمن قوائم الشهداء أو في الأكياس البيضاء. ومنهم من بُتر جزء من جسده دون تخدير كافٍ بسبب الانهيار الصحي الناتج عن الحصار والاستهداف. ويطلب من بعضهم المغادرة بسرعة لإفساح المجال للشخص الأكثر إصابة. وهكذا يتحول البقاء على قيد الحياة إلى طريق قاس من مشاهدة الخسارة المستمرة. أما الخيام، فتبدأ معركة أخرى أقل ظهوراً على الشاشات. كيف ينام من خرج للتو من تحت الركام؟ فكيف يمكن للأم التي نجت مع طفل واحد أن تهدأ بينما لا تعرف مصير الباقي؟ كيف يشرح الأب لابنته أن البيت لم يعد موجودا وأن العودة قد لا تكون قريبة؟ وهنا تتجاوز قصة الناجية حدود الحدث الأمني إلى سؤال الوجود نفسه: كيف يعاد تشكيل الحياة بعد أن تحطمت بنيتها بالكامل؟ ماذا تكشف هذه الشهادات سياسيا؟ إن الحديث عن الناجين ليس حديثاً إنسانياً مجرداً، ولا ينبغي عزله عن سياقه السياسي. تفكك الشهادة الفردية في غزة الخطاب الذي يحاول مساواة الجلاد بالضحية أو تصوير المجزرة على أنها صراع متساوٍ. الناجي لا يروي فقط كيف سقط السقف من فوقه، بل يروي أيضًا ما يعنيه أن يعيش شعب تحت حصار طويل، في مكان مغلق، محرومًا من الحماية ومن حقه الطبيعي في الأمن والحركة والعلاج. وعندما يكرر الناجون أنه لم يتم تحذيرهم، أو أن المكان الذي لجأوا إليه تعرض للقصف بعد نزوحهم، فإنهم يدحضون فعليًا مزاعم “الاستهداف الدقيق”. عندما يقولون إن عائلات شطب من السجل المدني، فإنهم يواجهون العالم بحقيقة لا تحتاج إلى الكثير من الشرح: هناك حرب على الإنسان الفلسطيني نفسه، وليس فقط على البنية العسكرية. ومن هنا فإن نشر هذه القصص ليس مجرد عمل عاطفي، بل هو واجب سياسي وإعلامي. الرواية الفلسطينية لا تحفظ بالشعارات وحدها، بل بتوثيق الصوت الذي خرج من تحت الركام، يروي ما رأى وما ضاع. وهذا ما يجعل الاستشهاد جزءاً من معركة الوعي، وليس مجرد عنصر تعاطف عابر. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن (39,022+) أسرة تعرضت للمجازر على يد الاحتلال الإسرائيلي. كما أباد الاحتلال (+2700) وشطب من السجل المدني (8574 شهيداً). وأباد الاحتلال (+6,020) أسرة، ولم يبق ناجٍ واحد (12,917 شهيداً)، حتى تشرين الأول 2025. الناجون بين عبء الشهادة والحق في الصمت. ومع ذلك، ليست كل شهادة سهلة وليس كل ناجٍ قادرًا على التحدث. وهناك من يكرر القصة عشرات المرات أمام الأطباء والصحفيين وأقارب الشهداء، حتى يشعر أن ذكراهم تحولت إلى مسرح مفتوح للمأساة. هناك من يرفض الكلام مطلقاً، ليس لأنه ليس لديه ما يقوله، بل لأنه يعلم أن اللغة أحياناً أضيق من نطاق ما حدث. هذه التفاصيل مهمة. إن واجب التوثيق لا يعني انتزاع الكلام من الجرحى، ولا يعني تحويل الناجين إلى أدوات للعرض. فمنهم من يحتاج إلى الصمت، ومنهم من يحتاج إلى التحدث بلغته الخاصة، وليس بلغة جاهزة يبحث عن لقطة مؤثرة. الاحترام الحقيقي للرواية يبدأ بالاعتراف بأن الشهادة حق وليست التزاما. الأطفال في قصص الناجين من قصف غزة. وأكثر ما يكشف عمق الجريمة هو ما يظهر في شهادات الأطفال. طفل يسأل لماذا قصف المنزل وهو نائم. طفلة تربط الطائرات بصوت فقدان والدتها. وآخرون يحفظون أسماء الشهداء في ذويهم أكثر مما يحفظون أسماء الألعاب. في هذا العمر، لا تعد الصدمة مجرد ذكرى سيئة، بل هي عامل يعيد تشكيل الشخصية والخوف والإدراك واللغة. لا يحتاج الأطفال الناجون إلى العلاج الجسدي فحسب، بل يحتاجون أيضًا إلى بيئة مفقودة بالفعل في غزة المحاصرة: الاستقرار، ومدرسة آمنة، وملعب، وكهرباء لا تنقطع ليلاً، وأسرة لا تتحمل أعباء الحزن والجوع والتشريد. ولذلك فإن الحديث عن إنقاذ الأطفال لا يصح إذا اقتصر على إخراجهم أحياء من تحت الأنقاض. الإنقاذ الحقيقي يعني وقف القصف ورفع الحصار ومحاسبة من جعل من الطفولة الفلسطينية هدفاً مباحاً. لماذا هذه القصص ضرورية؟ لأن الحرب لا تخاض بالصواريخ وحدها، بل بالسرديات أيضًا. وكلما طال العدوان كلما زادت محاولات تطبيع المشهد وتحويله إلى خبر متكرر يفقد تأثيره. وهنا بالتحديد تكسر قصص الناجين هذه العادة القاسية. وهو تذكير بأن ما يحدث ليس دورة عنف عابرة، بل هو عدوان مستمر على شعب له أسماء، وبيوت، وأحلام، وذكريات. وهو أيضًا رد على محاولات المحو. الاحتلال لا يكتفي بالقتل، بل يسعى للسيطرة على وصف ما يحدث، وفرض لغة تقلل من بشاعة فعله. أما الشهادة الفلسطينية فهي تبقي المعنى واضحا: هناك قصف، وهناك ضحايا مدنيون، وهناك ناجون يحملون آثار الجريمة في أجسادهم، وأصواتهم، وأيامهم القادمة. وفي هذا السياق، يبقى دور المنصات الفلسطينية والعربية الملتزمة، بما فيها مركز المعلومات الفلسطيني، أساسيا في نقل هذه الشهادات كجزء من الحقيقة وليس هامشا لها. والرواية التي لا ينقلها أصحابها مسروقة أو محرفة أو مخففة. ما يحتاجه الناجون في غزة ليس الشفقة، بل العدالة التي توقف القصف أولا، ثم تحمي الذاكرة من التزييف. وبينما يواصل العديد منهم البحث عن مفقودين أو مأوى أو دواء، تبقى شهاداتهم وصية مفتوحة: لا تنظروا إلى الركام وحدكم، بل إلى الأشخاص الذين خرجوا منه وهم يحملون ما يكفي لاتهام هذا العالم بالصمت.



