اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-02 17:44:00
شكل تهديد الرئيس دونالد ترامب بغزو جزيرة غرينلاند، وهي جزء من الدنمارك، حليفة الولايات المتحدة وأحد شركائها العسكريين في حلف شمال الأطلسي، إحدى أخطر مراحل تدهور العلاقات عبر الأطلسي. ورغم أن هذا التدهور جاء في سياق سياسة خارجية عامة مهد لها الرئيس الأميركي في ولايته الأولى، وتمادى في تنفيذها خلال ولايته الحالية، فهدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعدم استكمال تمويل الحرب على أوكرانيا، وفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات الأوروبية، فإن الرد الأوروبي على تهديدات ترامب بغزو غرينلاند تجاوز حدود الردود السابقة. وهددت أوروبا بفرض تعريفات جمركية مقابلة على الواردات الأميركية، وبدأت في رفع ميزانيتها العسكرية للتعويض عن النقص بعد أن خفضت الولايات المتحدة مساهمتها المالية والعسكرية في حلف شمال الأطلسي وفي دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا. بينما جاء ردها على تهديد ترامب بغزو جرينلاند، بتحركات عسكرية غير مسبوقة منسقة بين الدنمارك ودول أوروبية أخرى، على رأسها ألمانيا وفرنسا، بمشاركة السويد والنرويج، لزيادة الوجود العسكري لتعزيز أمن الجزيرة، في مواجهة تهديدات ترامب، ما أثار تساؤلات حول مصير الناتو، في حال حدوث صدام بين طرفيه. ثم تراجعت الولايات المتحدة عن فكرة ضم الجزيرة، وبدأ الحديث مؤخرا عن وجود اتفاق إطاري بين ترامب ومارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، بشأن جرينلاند، لكن الأمر لم يظهر. التفاصيل لاحقا. واعتبر الناتو أن هدف المفاوضات بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة هو منع روسيا والصين من الحصول على “موطئ قدم” اقتصادي أو عسكري في الجزيرة، كما زعم وجود سفن روسية وصينية بالقرب من غرينلاند. وبرر ترامب مطلبه بالسيطرة على جرينلاند بالقول: إذا لم تتحرك الولايات المتحدة نحو الجزيرة، فإنها ستترك المجال لروسيا أو الصين للسيطرة عليها. وتظهر مزاعم ترامب مستوى آخر من الصراع بين القطبين حول الجزيرة الدنماركية. لقد تركت محنة جرينلاند أثراً مهماً على العلاقة عبر الأطلسي، حيث شكل الموقف الأوروبي من المشاركة في حرب الولايات المتحدة ضد إيران مرحلة جديدة في تلك العلاقة. وفي حين شاركت المملكة المتحدة وبولندا وأستراليا مع الولايات المتحدة في الغزو غير المبرر للعراق في عام 2003، لم تشارك أي دولة غربية في العدوان الأميركي على الأراضي الإيرانية. واكتفت عدد من الدول، مثل ألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا، ورومانيا، بتقديم التسهيلات العسكرية واللوجستية، خاصة من خلال القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في تلك الدول. وكانت الجزيرة منذ فترة طويلة هدفا للاستيلاء عليها من قبل الولايات المتحدة. جاءت أول فكرة لشرائها عام 1867، بعد شراء ألاسكا من روسيا. وظهر اقتراح تبادل الأراضي عام 1910، بين الولايات المتحدة والدنمارك، وفق الهدف نفسه، والذي ارتبط بطبيعة موقع الجزيرة الاستراتيجي ومواردها الغنية، خاصة الفحم والمعادن. تقع جرينلاند بين القطب الشمالي وأوروبا وأمريكا الشمالية. وهي نقطة عبور ومراقبة في شمال المحيط الأطلسي بين أوروبا وأمريكا، والطرف الغربي للممر المائي GIUK، الذي يربط أوروبا بالمحيط المتجمد الشمالي. ويفسر هذا الموقع الحساس تحركات الولايات المتحدة بعد ذلك، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ عرضت الولايات المتحدة شرائها رسميا عام 1946، وفكرت في امتلاكها عام 1955. ويعد موقع جرينلاند أحد أهم الممرات الجوية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة منذ الحرب الباردة، ويرتبط ارتباطا مباشرا بالمراقبة الجوية والفضائية، ويعتبر ضرورة للتأكد من فعالية نظام الدفاع والإنذار المبكر الأمريكي، لردع الصواريخ السوفيتية والروسية حاليا. ولذلك، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية دفاع مع جرينلاند عام 1951، وأنشأت قاعدة بيتوفيك الفضائية (المعروفة سابقًا باسم قاعدة ثول)، مما يمنح الولايات المتحدة الوقت الكافي لرصد أي هجوم صاروخي محتمل عليها من خلال أنظمتها الصاروخية الدفاعية. كما يشكل الوجود البحري الحساس لجرينلاند، التي تربط بين القطب الشمالي وبحر الشمال الروسي والمحيط الأطلسي، مراقبا مهما للسفن والغواصات الروسية التي يمكن أن تعبر نحو قارة أمريكا الشمالية. وعادت فكرة ترامب بالاستيلاء على الجزيرة الدنماركية خلال فترة ولايته الأولى ثم الحالية في ظل تزايد الأهمية الجيوسياسية للجزيرة بسبب تغير المناخ، وهو ما أضاف إلى البعد الدفاعي الجوي والبحري للجزيرة بعدا اقتصاديا استراتيجيا محوريا في الحرب التكنولوجية الحالية المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين، والتنافس على الممرات المائية مع روسيا. وقد سهّلت ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد في غرينلاند، والذي زاد بشكل ملحوظ منذ تسعينيات القرن الماضي، اكتشاف واستخراج المعادن النادرة، وسهلت الحركة في الممرات المائية المحيطة بالجزيرة. وتشير المسوحات الجيولوجية إلى أن جرينلاند تحتوي على 25 من أصل 34 معدنا خاما حاسما، وفقا لتصنيف الاتحاد الأوروبي، مما يجعلها واحدة من أغنى المناطق غير المستغلة بالمعادن الاستراتيجية. وتزداد أهمية وقيمة هذه المعادن مع فقدان كتلة الجليد الموجودة في الجزيرة والتي ستستمر وتنمو مع مرور الوقت. وتشكل هذه المعادن أساس تصنيع القاعدة التكنولوجية الحديثة، التي تقوم على صناعة الطائرات المقاتلة والصواريخ الموجهة والرادارات والأقمار الصناعية والهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم وتوربينات الرياح والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وتقنيات الطاقة النظيفة. وتصاعدت المنافسة مؤخرا بين الولايات المتحدة والصين في المجال التكنولوجي، الذي يمثل صراع العصر، صراع على حيازة المعادن النادرة ومعالجتها وتكريرها، وصناعة المغناطيس والبطاريات والرقائق. وتتفوق الصين اليوم بشكل واضح في هذا المجال، إذ تسيطر على أكثر من 60 بالمئة من إنتاج تعدين المعادن النادرة، وفي مجالات أخرى أيضا. وتعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الصين في تكرير وتصنيع المغناطيس. ونجحت الصين في استخدام سيطرتها على المعادن النادرة في مفاوضاتها التجارية مع الولايات المتحدة، بعد أن رفعت الأخيرة قيمة الرسوم الجمركية بشكل غير مسبوق، فربطت الصين بين القضيتين. وساهمت التغيرات البيئية وذوبان مليارات الأطنان من الثلوج في منطقة القطب الشمالي في تحسين حركة المرور في ممراتها المائية، سواء في المحيط المتجمد الشمالي أو في ممر بحر الشمال الروسي، وكذلك في الممر الشمالي الغربي الذي يربط أوروبا بقارة أمريكا الشمالية. وتستثمر روسيا في تطوير الممر الشمالي الروسي المتاخم لحدودها البحرية، والذي يمتلك أكبر أسطول من كاسحات الألغام في العالم. وتسعى إلى جعل ممرها يخدم الدول الأوروبية في الوصول إلى شرق آسيا، مما يختصر 30-40 في المائة من المسافة بين المنطقتين. وكانت قد بدأت بالفعل تشغيلها تجارياً قبل الحرب الأوكرانية لخدمة الدول الأوروبية. ورغم أنها لا تزال محدودة بسبب موسميتها وارتفاع تكلفة الإبحار والأضرار الناجمة عن الثلوج، إلا أنها تقتصر الآن على التجارة الروسية في ظل الحصار الغربي المفروض عليها بعد تلك الحرب. ويمكن قراءة اهتمام ترامب بجرينلاند، بالتوازي مع حديثه عن كندا وقناة بنما، كجزء من تصور أوسع لمنافسة روسيا على ممرات الشحن العالمية، حيث تمنح جرينلاند واشنطن موقعا متقدما في شمال الأطلسي والقطب الشمالي، وقد تسمح لها بالتأثير على أي مسار بديل يربط أوروبا بآسيا عبر المجال الأمريكي الكندي شمالا، بينما تمنح قناة بنما خيارا جنوبيا تقليديا لربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، خاصة أن الممر الأول لا يزال قيد التطوير. تشجيع اقتراب الناتو من المجال الروسي، خاصة بعد انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف، حيث قامتا بترتيبات عسكرية واسعة النطاق حول ممر بحر الشمال، وبررتا ذلك بحماية ممرهما المائي وقواعدهما النووية في شبه جزيرة كولا. وتقف روسيا وحدها بين الدول الثماني المطلة على القطب الشمالي خارج حلف شمال الأطلسي. ويستخدم ترامب هذه التحركات العسكرية الروسية، وهي ليست جديدة على المنطقة، والتي بدأت عام 2008، وتصاعدت عام 2014، مرتبطة بالتصعيد في جورجيا وأوكرانيا، في ظل التنافس الأوروبي الروسي وتوسع الناتو، ليس فقط لتبرير الوجود العسكري الأمريكي في جزيرة جرينلاند، بل لامتلاكه. ومع ذلك، فإن اتفاقية الدفاع عن جرينلاند الأمريكية، التي تم التوقيع عليها عام 1951 وتسمح للولايات المتحدة باتخاذ أي إجراءات لتحقيق هذا الهدف، تسقط هذا المبرر لترامب. وتحافظ اتفاقية 2004، التي تحمل نفس هدف الاتفاقية السابقة، على الحق الدفاعي للولايات المتحدة على الجزيرة، رغم اشتراطها موافقة الدنمارك وغرينلاند، وهو شرط غير مخل بالوطن في حال نشوء خطر حقيقي يهدد الجزيرة. وتفسر المعطيات السابقة، وخلفية ترامب كرجل أعمال، تصريحاته المتسرعة بشأن شراء الجزيرة، والتي تراجع عنها لاحقا، خاصة في ظل عاملين مترابطين برزا خلال العامين الماضيين، هما تزايد الدعم الشعبي الغرينلندي للاستقلال عن الدنمارك، واستمرار الحذر الشعبي والسياسي من التوسع في التعدين بسبب الخوف من التلوث الإشعاعي الناتج عن الرواسب، وتنافس القطبين حولهما. لقد مر أكثر من قرن منذ أن اشترت الولايات المتحدة آخر مرة أرضًا من دولة أخرى. وفي عام 2019، ضغطت الولايات المتحدة على حكومة جرينلاند لإحباط المشاركة الصينية في بناء مطارات في الجزيرة، كما أحبطت مشروعًا آخر لبيع معادن نادرة لشركات صينية. وتوجد حاليا تعزيزات عسكرية دنماركية وأطلسية في غرينلاند، إضافة إلى التواجد العسكري الأميركي في القاعدة الأميركية في البلاد، رغم عدم وجود سفن روسية أو صينية في المكان. وعلى الرغم من ذلك، فإن المنافسة بين القطبين تشتد بالفعل حول جزيرة جرينلاند. فهي لم تصل إلى حد المواجهة أو الاشتباكات الخطيرة، كما هو الحال في مناطق أخرى، لكنها تعكس طبيعة تحول النظام القطبي نحو التعددية القطبية.




