اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-08 22:14:00
حصرياً / شهاب بينما لا تهدأ أصوات الحرب، يعيش الأطفال دون ترف إدراك الخطر أو سماع من يناديهم. يعيشون صمتًا قسريًا يحيط بحياتهم منذ ولادتهم أو بسبب الحرب، فيحول أبسط تفاصيل الطفولة – ضحك، نداء، لعب – إلى مشاهد غائبة أو مبتورة. لا يعاني هؤلاء الأطفال من فقدان السمع فحسب، بل يعانون أيضًا من حياة بأكملها في عزلة مرئية. أطفال يواجهون العالم دون أن يسمعوا الخطر المقترب، وآخرون يحاولون التمسك بما تبقى من قدرتهم على التواصل بعد تعطل معيناتهم السمعية خلال الحرب، وثالث يقف على حافة فقدان ما تبقى من فرص العلاج بسبب توقف خدمات زراعة القوقعة داخل القطاع. الإحباط والعزلة. وتقول والدة الطفل أنور البطش، إن طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات ولد بإعاقة سمعية حادة تمنعه من سماع الأصوات والتفاعل بشكل طبيعي مع محيطه منذ أيامه الأولى. وتوضح أن الأطباء أكدوا حاجته لإجراء عملية زراعة القوقعة الصناعية في أسرع وقت، فهي الفرصة الأساسية لمنحه القدرة على السمع وتطوير مهارات النطق والتواصل. وتضيف أن سنواته الأولى تمر وهو لا يزال ينتظر العلاج، في ظل توقف خدمات زراعة القوقعة داخل قطاع غزة، وصعوبة الحصول على العلاج خارج القطاع، مشيرة إلى أن كل يوم يمر دون تدخل طبي يقلل من فرصه في اللحاق بأقرانه واكتساب المهارات اللغوية اللازمة في هذه المرحلة العمرية الحساسة. وتتابع أن طفلها يواجه صعوبات يومية في التواصل مع أفراد أسرته وفهم ما يدور حوله، مما ينعكس على نموه النفسي والاجتماعي، ويزيد من مخاوف الأسرة على مستقبله، خاصة مع استمرار الأوضاع الإنسانية والصحية الصعبة التي تعيقه عن الحصول على العلاج الذي يحتاجه. بينما تقول والدة الطفل علي عبد الباري، البالغ من العمر سبع سنوات، إن ابنها خضع لعملية زراعة قوقعة قبل الحرب، وبعد رحلة طويلة من جلسات العلاج والتأهيل، تمكن من استعادة جزء مهم من حياته، حيث بدأ يسمع الأصوات ويتفاعل مع من حوله بشكل أفضل، وحقق تقدماً ملحوظاً في النطق والتواصل والاندماج مع الأطفال في محيطه. لكنها تؤكد أن الحرب قلبت هذه الإنجازات رأسا على عقب، بعد تعطل زراعة القوقعة نتيجة عدم صيانتها وعدم توفر قطع الغيار والمعدات الطبية اللازمة لإصلاحها، في ظل القيود المفروضة على دخول المستلزمات الطبية الخاصة بضعاف السمع إلى قطاع غزة. وتوضح أن طفلها فقد تدريجيا القدرة التي اكتسبها على السمع والتواصل، وعاد إلى حالة مشابهة لتلك التي كان عليها قبل العملية، ما سبب له حالة من الإحباط والعزلة، وأعاد الأسرة إلى دوامة القلق والخوف من إضاعة سنوات من العلاج والتأهيل. وتضيف أن الأسرة عاجزة أمام تدهور حالة طفلها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى صيانة الأجهزة الطبية وتوفير مستلزماتها، مؤكدة أن استمرار الخلل في زراعة القوقعة لا يعني فقدان جهاز طبي فحسب، بل فقدان النافذة التي فتحت لطفلها للتواصل مع العالم من حوله. ولا تبدو معاناة الطفلين أنور البطش وعلي عبد الباري حالات استثنائية، بل هي جزء من أزمة أوسع تؤثر على مئات الأطفال ضعاف السمع في قطاع غزة، في ظل انقطاع خدمات زراعة القوقعة الصناعية، ونقص المستلزمات الطبية اللازمة لتشغيل وصيانة أجهزة السمع. وفي هذا السياق، تحذر رئيسة قسم السمع والتوازن في مستشفى الشيخ حمد، سهى الهيثم، من أن قطاع غزة يضم مئات الأطفال من مرضى زراعة القوقعة وضعاف السمع الذين يعتمدون بشكل أساسي على أدوات السمع وأجهزة زراعة القوقعة في حياتهم اليومية، مؤكدة أن استمرار الأزمة الحالية يهدد بفقد الكثير منهم القدرة على السمع والتواصل مرة أخرى. يفقدون سمعهم تدريجياً. ويكشف الهيثم أن ما بين 70% إلى 80% من أجهزة زراعة القوقعة وأدوات السمع تعرضت لأعطال كاملة أو جزئية منذ اندلاع الحرب، نتيجة نفاد البطاريات وتلف الأجزاء الخارجية وعدم توفر البدائل اللازمة. وأشارت إلى أن هناك ما لا يقل عن 15 طفلاً فقدوا أجهزتهم بالكامل تحت أنقاض منازلهم، ما أدى إلى فقدانهم السمع بشكل كامل منذ بداية الحرب. وتوضح أن تداعيات الأزمة تتجاوز فقدان القدرة على السمع، إذ يمتد تأثيرها إلى تراجع المهارات اللغوية والكلامية التي اكتسبها الأطفال بعد سنوات طويلة من العلاج والتأهيل، لافتة إلى أن الأطفال الذين تتعطل أجهزتهم لفترات طويلة قد يفقدون تدريجياً القدرة على نطق الحروف والتواصل مع الآخرين، وهو ما يعيدهم إلى المربع الأول بعد سنوات من الجهود الطبية والتأهيلية. وتؤكد أن المشكلة لا تتعلق بإجراء العمليات الجراحية وحدها، بل بما تصفه بـ”بقاء السمع”، موضحة أن بطاريات الأجهزة تمثل العصب الأساسي لاستمرار عمل القوقعة والمعينات السمعية، إضافة إلى الحاجة المستمرة لقطع الغيار الحيوية، مثل الأسلاك وأجزاء الرأس والحاضنات ومواد الحماية من الرطوبة، والتي تكاد تكون مفقودة داخل القطاع. أما بالنسبة للأطفال الذين ما زالوا ينتظرون فرصة إجراء عملية زراعة القوقعة، ومن بينهم الطفل أنور البطش، فيشير الهيثم إلى أن عامل الوقت عنصر حاسم في نجاح التدخل الطبي، موضحا أن ما يعرف بـ “العصر الذهبي” لزراعة القوقعة الصناعية يمتد بشكل مثالي حتى سن الثالثة، ويظل فعالا حتى سن الخامسة، حيث تكون قدرة الدماغ على اكتساب اللغة وتطوير مهارات الاتصال في أعلى مستوياتها. وتضيف أن تأخير إجراء زراعة القوقعة لسنوات إضافية قد يؤدي إلى تراجع فرص الطفل في اكتساب النطق وفهم الكلام بشكل طبيعي، حتى لو أجريت العملية لاحقا، وهو ما يجعل استمرار توقف خدمات زراعة القوقعة الصناعية مصدر قلق متزايد لأسر الأطفال المنتظرين للعلاج. وتحذر الهيثم من أن استمرار منع دخول المستلزمات الطبية الخاصة بزراعات القوقعة الصناعية وأدوات السمع قد يؤدي إلى ما تصفه بـ”موجة الصمت الجماعي”، في ظل احتمال أن يصبح مئات الأطفال الذين خضعوا لزراعة قوقعة صناعية واستعادوا جزءًا من قدرتهم على السمع، مصابين بالصمم مرة أخرى، بعد أن أمضوا سنوات طويلة في العلاج والتأهيل. ويؤكد أن هذا الواقع يهدد بارتفاع غير مسبوق في معدلات الإعاقة السمعية الدائمة بين الأطفال في قطاع غزة، ويحرم الكثير منهم من فرصة الاندماج والتواصل والتعلم بشكل طبيعي. تطور عاجل: من جانبه، يقول أخصائي السمع والتخاطب والتربية الخاصة حسن اتبيل، إن عامل الوقت يمثل عنصراً حاسماً في حالات فقدان السمع الشديد أو العميق لدى الأطفال، موضحاً أن السنوات الأولى من العمر تشكل أهم مرحلة لنمو الدماغ وتطور مهارات اللغة والنطق، وأن أي تأخير في التدخل العلاجي وأبرزها زراعة القوقعة قد ينعكس بشكل مباشر على فرص الطفل في اكتساب اللغة بشكل طبيعي. ويشير اتبيل إلى أن الأطفال الذين تعطلت زراعة القوقعة أو المعينات السمعية لديهم لفترات طويلة، بعد أن بدأوا في اكتساب مهارات السمع والتواصل، يواجهون تراجعا تدريجيا في قدراتهم اللغوية، نتيجة فقدان المدخلات السمعية التي يعتمد عليها الدماغ لتثبيت اللغة وتطويرها. ويشير إلى أن هذا التراجع يصبح أكثر حدة إذا انقطعت جلسات التأهيل والمتابعة المتخصصة. ويؤكد أن استمرار فقدان السمع لدى الطفل لا يؤدي فقط إلى توقف التقدم اللغوي، بل قد يتسبب أيضاً في فقدان جزء من المهارات التي اكتسبها سابقاً خلال سنوات التأهيل، حيث تبدأ بعض المفردات وقدرات النطق بالتراجع، ويجد الطفل صعوبة متزايدة في التعبير والتواصل، حيث تختلف درجة التأثير من حالة إلى أخرى حسب العمر ومدة الانقطاع. على الصعيد النفسي والاجتماعي، يوضح عتبيل أن فقدان السمع أو خلل في الأجهزة الصوتية ينعكس بشكل مباشر على سلوك الطفل وحالته النفسية، إذ يعاني الكثير منهم من العزلة وصعوبة التفاعل مع محيطهم الأسري والاجتماعي، الأمر الذي يزداد تعقيداً في ظل ظروف الحرب والنزوح والضغوط النفسية وعدم الاستقرار التي تصاحبهم، ما يجعل القدرة على التواصل عنصراً أساسياً في التخفيف من هذه المعاناة. ويحذر عتبيل من أن استمرار انقطاع خدمات زراعة القوقعة والصيانة والتأهيل السمعي قد يكون له تداعيات طويلة المدى على مستقبل مئات الأطفال في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن غياب التدخل المبكر أو توقفه قد يؤدي إلى ضياع فرص حقيقية لتطوير اللغة والتعلم والاندماج الاجتماعي، وهو ما يمنع هؤلاء الأطفال من التمتع بحقهم الكامل في التواصل والتعليم والحياة الطبيعية، ويجعل تقديم هذه الخدمات ضرورة إنسانية وتنموية ملحة، وليس مجرد إجراء طبي.




