اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-08 15:25:00
خاص / شهاب عندما يدفع صيادو غزة بقواربهم الصغيرة إلى البحر بحثاً عن لقمة عيشهم، يدركون جيداً أنهم قد يدفعون ثمناً آخر قبل نهاية اليوم؛ يمكن أن تكون حياتهم أو إصابتهم أو حريتهم. في بحر غزة، لم تعد رحلة الصيد تبدأ بالشباك وتنتهي بالأسماك. بل يبدأ بسؤال واحد: هل سيعود الصياد إلى أهله أم سيختفي بين رصاص الزوارق الحربية وزنزانات الاحتلال؟ وتجدد هذا المشهد مساء اليوم منتصف الأسبوع الجاري، عندما اعتقلت بحرية الاحتلال سبعة صيادين قبالة شواطئ المحافظة الوسطى، بعد يوم واحد فقط من إطلاق سراح ثمانية آخرين، فيما اعتدت على صيادين وربطتهما قبل رميهما في البحر، ليتمكنا من الوصول إلى الشاطئ بالسباحة. ولم تكن الحادثة استثناءً، بل واحدة من عشرات الحوادث التي تتكرر باستمرار، حتى أصبح استهداف الصيادين جزءاً من يومهم الطبيعي، يرافقهم في كل رحلة يخرجون إليها بحثاً عن لقمة العيش. رحلة مجهولة المصير والاعتقال لم تعد الخطر الوحيد الذي يواجه الصيادين، إذ تشير بيانات لجان الصيادين إلى أن بحر غزة أودى منذ بداية الحرب بحياة 233 صيادا، فيما أصيب المئات بدرجات متفاوتة من الاستهداف المباشر أو غير المباشر، فيما يقبع 45 صيادا في سجون الاحتلال، غالبيتهم اعتقل خلال الحرب وتداعياتها. وتؤكد لجان الصيادين أن وتيرة الاعتقالات تصاعدت في الأشهر الأخيرة، لدرجة أن إطلاق سراح عدد من الصيادين يتبعه في كثير من الأحيان اعتقال آخرين في اليوم التالي. ويقول رئيس لجان الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعي زكريا بكر، إن الاحتلال انتهج خلال الفترة الماضية سياسة تقوم على إنهاك الصيادين، من خلال الاعتقالات المتكررة، بالإضافة إلى إطلاق النار ومصادرة القوارب ومنعهم من الوصول إلى مناطق الصيد، ما جعل العمل في البحر محفوفًا بالمخاطر بشكل غير مسبوق. لكن معظم الصيادين ليس لديهم خيار سوى العودة إلى البحر. بالنسبة لهم، الصيد ليس مهنة موسمية يمكن استبدالها، بل هو إرث تتوارثه الأسر الفلسطينية جيلا بعد جيل، ومصدر الدخل الوحيد الذي بقي لآلاف الأسر بعد أن دمرت الحرب مختلف القطاعات الاقتصادية في غزة. وقال الصياد أبو العبد الفصيح وهو منهمك في إصلاح الشباك التي مزقتها أشهر الحرب الطويلة: “الصياد معتاد على هذه المهنة، ولا يعرف غيرها، ليس لدينا أي عمل آخر نعيش عليه، ولو ترك البحر لن يجد ما يعيل أسرته”. ويضيف أن الصيادين يدركون حجم الخطر الذي ينتظرهم في كل رحلة، لكن الحاجة إلى توفير لقمة العيش تدفعهم إلى مواصلة العمل رغم كل شيء. أما الصياد نضال الداعور، فوصف لحظة الخروج من المرفأ ببداية رحلة بمصير مجهول، قائلاً: “إذا خرجنا من بوابة المرفأ يقابلنا زورق عسكري في أي اتجاه، ومصيرنا إما الموت أو الإصابة أو الاعتقال”. ويضيف أن مجرد الوصول إلى مناطق الصيد لم يعد مضمونا، إذ تلاحق الزوارق العسكرية الصيادين منذ اللحظات الأولى لخروجهم إلى البحر، وتتعرض قواربهم للنيران أو تتم مطاردتها وإجبارها على العودة قبل أن تتمكن حتى من رمي شباكها في الماء. الشلل المنتشر. ولم تقتصر خسائر الصيادين على الأرواح والاعتقالات، بل امتدت إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية لقطاع الصيد. ودمرت قوات الاحتلال نحو 900 قارب آلي، بالإضافة إلى نحو 700 قارب تجديف، فيما تعرضت مئات القوارب الأخرى لأضرار متفاوتة، بالإضافة إلى تدمير غرف المعدات والشباك ومرافق الصيادين، ما أدى إلى شلل واسع في هذا القطاع الذي يشكل أحد أهم مصادر إنتاج الغذاء في غزة. وانعكس هذا الدمار بشكل مباشر على كميات الأسماك التي تصل إلى أسواق قطاع غزة. وبعد أن كان الصيادون ينتجون ما بين 15 و20 طناً من الأسماك يومياً قبل الحرب، انخفض الإنتاج إلى ما بين 10 و15 طناً فقط شهرياً، بحسب بيانات لجان الصيادين. وهو تراجع حاد حرم آلاف الأسر من مصدر غذائي أساسي، وفاقم أزمة الأمن الغذائي التي يعيشها القطاع. بين القوارب المحترقة والشباك الممزقة والخيام التي تنتشر داخل ميناء غزة بعد أن تحولت أجزاء كبيرة منه إلى ملجأ للنازحين، تظهر ملامح إحدى أقدم المهن الفلسطينية وهي تكافح من أجل البقاء. الميناء الذي كان يعج بالنشاط كل صباح، أصبح اليوم شاهداً على مهنة تنهار تدريجياً تحت وطأة الحرب والاستهداف المستمر. ومع كل فجر، يعود الصيادون إلى البحر من جديد، ليس لأن الطريق أصبح أكثر أماناً، بل لأنه لم يعد أمامهم طريق آخر. يدفعون قواربهم الصغيرة إلى الماء وهم يعلمون أن الشباك قد تعود ومعها القليل من الأسماك، أو قد تعود مثقوبة بالرصاص، أو قد لا تعود بها على الإطلاق. في بحر غزة، لم تعد سبل العيش تُستخرج من المياه فقط، بل من الخوف أيضاً، ومن رحلة يومية غالباً ما يكون ثمنها الدم والحرية.




