اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-14 19:43:00
رام الله/PNN/ وصال أبو عليا – تواجه المالية العامة الفلسطينية إحدى أخطر الأزمات في تاريخها، مع استمرار إسرائيل في احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة)، التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية. ومع تجاوز قيمة الأموال المحجوزة حاجز 15 مليار شيكل، دخلت الخزينة الفلسطينية مرحلة غير مسبوقة من الضغوط المالية، وهو ما انعكس على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وأثر بشكل مباشر على الخدمات العامة والنشاط الاقتصادي والأوضاع المعيشية للمواطنين. ومع تصاعد الأزمة ووصولها إلى مرحلة الحبس الكامل لأموال «المقاصة» في الأشهر الأخيرة، اتسعت تداعياتها لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، وسط تحذيرات من تفاقم معدلات الفقر والبطالة وتراجعها. قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود في مواجهة التحديات المتراكمة. المقاصة.. شريان الإيرادات الحكومية في قلب الأزمة. ويؤكد مؤيد عفانة، الخبير في السياسات المالية والاقتصادية، أن استمرار احتجاز أموال “المقاصة” منذ عام 2019، وتصعيده إلى الحبس الكامل منذ مايو 2025، أدخل المالية العامة الفلسطينية في أزمة حادة طالت مختلف جوانب الإنفاق الحكومي. ويشير عفانة إلى أن الأزمة دفعت الحكومة إلى إطلاق برنامج طوارئ شمل تقليص ساعات العمل في الوزارات والمؤسسات العامة، وخفض نسبة صرف رواتب الموظفين إلى نحو 50% من الراتب، بحد أدنى 2000 شيكل، إضافة إلى تراكم المستحقات للقطاع الخاص. من جهته، قال أستاذ الاقتصاد والخبير في الشؤون الاقتصادية د. هيثم دراغمة، إن أموال “المقاصة” تمثل أكثر من 65% من إيرادات الحكومة، وتشكل المصدر الرئيسي لتمويل التزامات السلطة الفلسطينية. ويضيف أن استمرار احتجاز هذه الأموال أدى إلى تضخم الدين الحكومي وتعميق الأزمة المالية، لافتا إلى أن قيمة “المقاصة” المحتجزة تجاوزت 15 مليار شيكل، ما حرم الخزينة من أهم مواردها المالية وأضعف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والقطاع الخاص ومقدمي الخدمات. يؤكد د. وقال دراغمة إن الحكومة الفلسطينية تعاني بالفعل من ضغوط مالية ناجمة عن تراجع المساعدات الأجنبية والعربية، لكن احتجاز “مكتب المقاصة” عمّق الأزمة بشكل غير مسبوق، وأفقد الحكومة القدرة على الإيفاء بالعديد من التزاماتها التشغيلية والخدمية. تداعيات مباشرة على قطاعي الصحة والتعليم. وكان للأزمة المالية تأثير واضح على الخدمات الأساسية، خاصة في قطاع الصحة والتعليم. وبحسب عفانة، فإن شح الموارد المالية أدى إلى نقص الأدوية في المرافق الصحية الحكومية، واقتصار عمل بعض العيادات الحكومية على يوم واحد. على أساس أسبوعي، مما أثر على قدرة المواطنين في الحصول على الخدمات الصحية. أما في قطاع التعليم، فقد تراجع انتظام العملية التعليمية، حيث اقتصرت ساعات الدراسة في العديد من المدارس الحكومية على ثلاثة أيام في الأسبوع، أي ما يعادل نحو 60% من الساعات المعتادة، ما أدى إلى اتساع فجوة الفاقد التعليمي التراكمي، وألقى بظلاله على جودة التعليم ومستقبل الطلاب. وقال الدكتور دراغمة إن تداعيات الأزمة لم تقتصر على المؤسسات الحكومية فقط، بل امتدت إلى القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها نتيجة تراجع الإنفاق العام وعدم قدرة الحكومة على دفع مستحقات الموردين ومقدمي الخدمات. ركود وانكماش اقتصادي غير مسبوق. وأثرت أزمة المقاصة بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي الفلسطيني الذي شهد تراجعا حادا خلال الفترة الأخيرة. ويؤكد عفانة أن الاقتصاد الفلسطيني تراجع بنحو 24%، بالتوازي مع ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 46%، وارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 41%. بدوره، يصف د. ويصف دراغمة الوضع الاقتصادي الحالي بـ”الركود غير المسبوق”، موضحا أن تراجع السيولة النقدية في الأسواق، وتراجع الإنفاق الحكومي، وعدم انتظام تدفق المساعدات الخارجية، عوامل ساهمت في إصابة العديد من الأنشطة الاقتصادية بالشلل. ويضيف أن القطاع الخاص يواجه أزمة معقدة، فهو من ناحية يقدم خدمات للحكومة التي أصبحت غير قادرة على سداد التزاماتها، ومن ناحية أخرى يعاني من تراجع الطلب والاستهلاك وتراجع السيولة، مما أدى إلى تعثر العديد من المرافق الاقتصادية. وكيل وزارة الاقتصاد: القوة الشرائية تتراجع والأسواق تدفع الثمن وأشار المصرفي الوطني بشار الصيفي إلى أن أموال “المقاصة” تضخ ما يقارب مليار شيكل شهريا في السوق الفلسطينية التي كانت محركا رئيسيا للنشاط الاقتصادي. ويقول إن تراجع هذه التدفقات نتيجة الإجراءات الإسرائيلية ألحق أضرارا جسيمة بالقدرة الشرائية للمواطنين، خاصة وأن شريحة موظفي الحكومة تمثل نسبة كبيرة من القوة الاستهلاكية في المجتمع الفلسطيني. وتتجسد هذه التداعيات في الحياة اليومية للموظفين. وقال موظف حكومي من مدينة نابلس، فضل عدم الكشف عن هويته، إن استمرار صرف الرواتب بنسب جزئية وضع آلاف الأسر في مواجهة ضغوط معيشية متزايدة، حيث لم يعد الدخل المتاح يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من طعام ومواصلات وتعليم والتزامات شهرية. ويضيف أن عدم الوضوح بشأن مواعيد ونسب صرف الرواتب يزيد من صعوبة التخطيط المالي للأسرة، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. ويشير إلى أن العديد من العاملين في القطاع العام اضطروا إلى الاقتراض أو تأجيل سداد التزاماتهم المالية لتغطية النفقات اليومية، ما أدى إلى تراكم الأعباء المالية على الأسر. ويوضح أن تأثيرات الأزمة لم تتوقف عند حدود الموظفين، بل امتدت إلى الأسواق المحلية التي تعتمد بشكل كبير على القوة الشرائية لهذه الشريحة، حيث انعكس تراجع الإنفاق على النشاط التجاري وأدى إلى مزيد من الركود في مختلف القطاعات الاقتصادية. ويضيف الصيفي أن الأزمة تفاقمت مع استمرار منع أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين من العمل ضمن الخط الأخضر، مما ساهم في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستويات الدخل. كما تأثر قطاعا الخدمات والترفيه بشكل كبير، حيث اتجه المواطنون إلى الإنفاق على الاحتياجات الأساسية فقط، بينما سجلت بعض القطاعات الخدمية تراجعا تجاوز 90%. الفقر والبطالة.. الفئات الهشة تتحمل العبء الأكبر. وتظهر تداعيات الأزمة بأوضح صورها على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل. ويؤكد عفانة أن هذه الفئات كانت الأكثر تضرراً من تراجع الخدمات العامة، لعدم قدرتها على اللجوء إلى البدائل المدفوعة في قطاعي الصحة والتعليم. كما أدى تراجع فرص العمل وركود الأسواق إلى زيادة الضغوط المعيشية على الأسر الفلسطينية. من جانبه يؤكد د. دراغمة: إن استمرار الأزمة يهدد بتفاقم معدلات البطالة، خاصة في ظل تراجع فرص العمل في القطاعين العام والخاص، واتساع دائرة الخريجين العاطلين عن العمل، بما في ذلك التخصصات التي كانت تتمتع في السابق بفرص عمل عالية. البحث عن حلول.. بين الإدارة المالية والإصلاح الاستراتيجي وفيما يتعلق بسبل مواجهة الأزمة، يرى عفانة أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية لترشيد النفقات وتعزيز الإيرادات ساهمت في توفير هامش من المرونة لإدارة الأزمة، لكنها تظل غير كافية في ظل عمق المشكلة وطول أمدها. وشدد على ضرورة تبني استراتيجية وطنية شاملة تعتمد على الضغط الدبلوماسي والقانوني للإفراج عن أموال المقاصة، بالإضافة إلى توفير شبكة أمان مالية من قبل المانحين الدوليين لدعم المالية العامة الفلسطينية. كما يدعو إلى مراجعة بروتوكول باريس الاقتصادي وإعادة صياغة العلاقات المالية مع إسرائيل لضمان درجة أكبر من السيطرة الفلسطينية على مواردها المالية. يوافق الدكتور. ويوافق دراغمة على هذا الطرح، مؤكداً أن العمل الدبلوماسي لاستعادة تدفق أموال “المقاصة” يمثل أولوية ملحة، بالتوازي مع تعزيز الإيرادات المحلية وضبط النفقات، رغم محدودية قدرة هذه الإجراءات على تعويض الإيرادات المحتجزة. أما الصيفي، فيشدد على أهمية تدخل المجتمع الدولي لوقف الإجراءات الإسرائيلية التي تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الفلسطيني، محذرا من أن استمرار احتجاز “المقاصة” سيؤدي إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية. أزمة المقاصة تكشف هشاشة الهيكل المالي. الاقتصاد الفلسطيني وارتباطه الوثيق بالتحولات السياسية والإجراءات الإسرائيلية. وفي حين تمكنت الحكومة من إدارة الأزمة من خلال تدابير الطوارئ والتقشف المالي، فإن استمرار حجب هذه الإيرادات يهدد بتفاقم الضغط على الخدمات العامة والقطاع الخاص والأسر الفلسطينية. ومع تزايد معدلات الفقر والبطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، يبدو أن هناك حاجة ملحة لتحرك سياسي ودولي فعال لضمان إطلاق أموال “المقاصة”، بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تعزز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود والاستدامة.


