اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-28 19:09:00
ويرى العديد من المراقبين أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع نفسه في مأزق قد لا يتمكن من الخروج منه بعد تورطه في حرب عدوانية ضد إيران، والتي جرته إسرائيل إليها. وهذا ما يفسر الشعور بالقلق الذي بدأ ينتاب شرائح واسعة من النخب السياسية والفكرية الأميركية التي كان يقودها شعار «أميركا أولا» وتتصور أن ترامب هو الرجل القادر على «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى». وبالفعل، بدأت نسبة كبيرة من قاعدته الانتخابية تثير الشكوك حول الدوافع الحقيقية لسلوك (ومواقف) رئيسها الذي لم يعد يرى غير نفسه فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، بعد ملاحظة مدى حرصه على محاباة المصالح الإسرائيلية، حتى لو كانت تتعارض مع المصالح الأميركية، في كل مرة كان عليه أن يقارن بينها، مما يوحي بأنه يستلهم قناعاته الفكرية والسياسية من شعار «إسرائيل أولاً وآخراً» بدلاً من شعار «أميركا أولاً». من المفيد تذكير القراء بأن ترامب لديه سجل طويل من التحيز الأعمى تجاه إسرائيل. وبعد دخوله البيت الأبيض للمرة الأولى، بداية عام 2017، بدأ (فوراً) باتخاذ سلسلة قرارات، أقل ما يمكن وصفه بأنها تتجاوز تطلعات حركات اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً. ومن بينها الاعتراف بمدينة القدس «العاصمة الأبدية الموحدة» لإسرائيل، ونقل مقر السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، وغيرها من القرارات التي لم يكن أحد يجرؤ عليها. الرئيس الأمريكي لاتخاذ. ثم بدأ ببلورة رؤيته الشخصية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وقدمها في ورقة بعنوان “صفقة القرن”، وهي رؤية عكست بوضوح مواقف سياسية مستمدة من أساطير دينية ترى أن فلسطين التاريخية هي “أرض الميعاد” لليهود، وتختزل القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني، وبالتالي قابلة للاستيطان من خلال مشاريع تنموية في المنطقة توفر فرص عمل كافية لتوطين جميع اللاجئين الفلسطينيين في أماكن إقامتهم. ولذلك يمكن القول، دون تجاوز، إن هذه «الصفقة» لم تكن سوى خطة لتصفية القضية الفلسطينية، بدليل حرصه الشديد على دفع عدة دول عربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بعد أن صاغ مفهوما خادعا عنوانه «الاتفاق الإبراهيمي»، أدى إلى تقويض قرار القمة العربية في بيروت عام 2002، الذي نص على إقامة دولة فلسطينية مستقلة أولا قبل البدء في عملية التطبيع. وفي الوقت نفسه، كان ترامب يدرك أن تحديد رؤيته لحل الصراع في المنطقة يتطلب إخضاع النظام الإيراني وإجباره على تغيير سياساته ولو بالقوة، وهو ما يفسر قراره بالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعه الرئيس باراك أوباما عام 2015، وفرض «أقصى العقوبات» على إيران. وليس من المبالغة القول إنه لو كان مقدراً لترامب الفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت نهاية عام 2020، لعادت «صفقة القرن» إلى قمة جدول أعماله من جديد، ولدخل في مواجهة مسلحة مع النظام الإيراني. لكن القدر شاء أن يخسر هذه الانتخابات، وأن تنجح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في تفجير «طوفان الأقصى» في عهد بايدن. وعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض بعد غياب أربع سنوات، كان نتنياهو ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، وكان يتطلع بفارغ الصبر إلى استكمال ما بدأوه معا قبل سنوات، خاصة وأن الأخير نجح في قطع الطريق أمام خطط بايدن الهادفة إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الالتزام باتفاق 2015. ولم يكن من الصعب على نتنياهو، في سياق كهذا، إقناع ترامب بأنه سيكون من المستحيل تطبيق رؤيتهما المشتركة لما يجب أن تكون عليه منطقة الشرق الأوسط قبل إزالة النظام الإيراني. يشرح تحركات ترامب اللاحقة. ووافق على مشاركة إسرائيل في حرب محدودة ضد إيران منتصف العام الماضي (حرب الاثني عشر يوما)، تولى خلالها الجيش الأميركي مهمة تدمير المنشآت النووية الإيرانية المحصنة. وبعد نحو سبعة أشهر، بدا حريصاً على أن تتولى إدارته الدور القيادي في الحرب الشاملة ضد إيران، والتي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، ولا تزال مشتعلة حتى كتابة هذه السطور. إن مشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل في شن الحرب على إيران لم تكن نتيجة لحدث ظرفي عابر أو سوء تقدير من قبل جهات صنع القرار هنا أو هناك. بل كان تطوراً طبيعياً لأزمة بنيوية عصفت بالنظامين الأميركي والصهيوني، ثم بدأت تتراكم وتتعمق مع مرور الوقت. وبقدر ما عكست ظاهرة «الترامبية» إن جاز التعبير أزمة بنيوية في نظام الهيمنة العالمية بقيادة الولايات المتحدة، فإن ظاهرة «النتنياهو» إن جاز التعبير عكست أزمة بنيوية داخل الكيان الصهيوني الطامح إلى الهيمنة الإقليمية على منطقة الشرق الأوسط برمتها. وهذا لا يعني أن الإدارتين، الأميركية بقيادة ترامب، والصهيونية بقيادة نتنياهو، لم ترتكبا أخطاء في الحسابات عندما اتخذتا قرارهما المشترك بشن حرب شاملة. لقد ارتكبوا بالفعل أخطاء جسيمة، لكنها لم تكن أخطاء عارضه، بل كشفت عن الأزمة. إن الالتزام بها قد يساعد في تعميق الأزمة وتسريع وتيرتها، لكنه لا يمنع من استمرارها. بل يمكن القول إنها أخطاء تقليدية ناتجة عن غطرسة السلطة، وعن شعور متزايد لدى أجهزة القرار بعمق الأزمة. وبنى ترامب ونتنياهو حساباتهما على التصور بأن النظام الإيراني لن يصمد أمام ضربة ساحقة تنجح في اغتيال معظم قادة الخط الأول السياسيين والعسكريين، وبالتالي سينهار على الفور، أو تدريجيا خلال فترة قصيرة. لكن ما حدث كان العكس؛ صحيح أن الضربة الافتتاحية كانت ناجحة، وأدت فعلياً إلى اغتيال جميع قيادات الصف الأول، بما في ذلك المرشد الأعلى، لكن النظام تماسك واستطاع الرد بفعالية، ومع مرور الوقت بدأ يزداد نفوذاً وإصراراً على مواصلة القتال. والحقيقة أن التمعن في مسار الحرب، التي توشك على دخول شهرها الثاني، يؤكد ما يوحي بأن الحرب ليست في طريقها إلى الحل لمصلحة الأطراف التي بدأتها، بل إن استراتيجية الاستنزاف التي تنتهجها إيران أكثر فعالية وكفاءة من استراتيجية الحرب السريعة أو الخاطفة التي تنتهجها إسرائيل والولايات المتحدة. صحيح أن هناك فجوة كبيرة في القوة لصالح الأطراف التي بدأت الهجوم، حيث تمكنت هذه الأطراف من إلحاق خسائر فادحة بإيران، لكن الأخيرة استطاعت جسر هذه الفجوة، وهو ما ظهر بوضوح من خلال قدرتها على الرد المؤلم وصمودها المستمر الذي يبدو أنه مستمر لفترة طويلة، وربما أطول بكثير من قدرة الأطراف المهاجمة، معتمدة في ذلك على العديد من عناصر القوة التي يبدو أن الأطراف المهاجمة لم تأخذها بعين الاعتبار، وأهمها ثقافة عميقة. حضارة عريقة، وتضاريس معقدة توفر الحماية والقدرة على الاختباء والاختباء، وموقع جيوسياسي فريد، وموارد طبيعية وبشرية وفيرة ومتنوعة، وغيرها من العناصر التي مكنت إيران من إحكام السيطرة على مضيق هرمز وإدارته بطريقة ذكية للغاية، وحماية ترسانتها الصاروخية التي استخدمتها بحكمة وكفاءة وفعالية، مما قد يشير إلى مفاجآت في الطريق، وأيضا الرد بشكل تدريجي. وهي قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي إلحاق الضرر ليس بالكيان الصهيوني فحسب، بل أيضا بالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة. وكان هدف ترامب الوحيد، عندما قرر شن هذه الحرب، هو إسقاط النظام الإيراني الحالي واستبداله بنظام عميل يشبه نظام الشاه. لكن صمود هذا النظام أجبر ترامب على تغيير موقفه والتعبير عن استعداده للتفاوض مع النظام نفسه الذي سعى إلى الإطاحة به، لذا قدم أخيراً مسودة اتفاق تضمنت 15 بنداً. لكن ما يلفت الانتباه هنا هو إصرار ترامب على أنه انتصر، وأن النظام الإيراني هزم، وفي الوقت نفسه يدعوه للعودة إلى طاولة المفاوضات. المنتصر لا يتفاوض، بل يجبر المهزوم على التوقيع على صك الاستسلام، وهو ما لم يحدث، ولا يتوقع أن يحدث في المستقبل القريب. ولذلك فإن الخيارات المتاحة أمام ترامب، في سياق مثل هذا، تبدو محدودة للغاية. إن الطريق إلى مفاوضات حقيقية وجادة يتطلب من مختلف الأطراف تقديم تنازلات متبادلة، وهو ما لا يستطيع ترامب القيام به، لأنه سيواجه حينها عقبتين كبيرتين تمنعانه من مواصلة هذا المسار: الأولى هي نتنياهو الذي سيرفض حتما تقديم أي تنازلات، خاصة أن مستقبله السياسي يعتمد على نجاحه في إدامة الحرب. والثاني، انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والتي سيخسرها ترامب حتماً ما لم ينجح في إقناع الرأي العام الأميركي بجدوى إقحام بلاده في حرب لن يستفيد منها إلا نتنياهو، خاصة إذا استمرت إيران في تشديد سيطرتها على مضيق هرمز، مع كل التبعات الاقتصادية التي سيتحملها المستهلك الأميركي. لكن إذا قرر ترامب عملية جوية كبيرة تؤدي إلى تدمير البنية التحتية المدنية لإيران، أو عملية بحرية تؤدي إلى السيطرة على مضيق هرمز وفتحه بالقوة للملاحة العالمية، أو عملية برية تؤدي إلى احتلال الجزر الإيرانية وحرمان إيران من تصدير نفطها إلى الخارج… فإن أياً من هذه العمليات لن تضمن له بالضرورة نصراً حاسماً أو تجبر الخصم على التوقيع على صك الاستسلام، فضلاً عن أن كل هذه البدائل مكلفة إنسانياً ومادياً، وهو ما يؤكد مجدداً. ويبدو أن المأزق الذي دخل إليه ترامب بمحض إرادته هو مأزق ضيق لا مخرج منه.



