اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-09 02:10:00
غازي شاهين، الشاب القادم من شمال قطاع غزة ضمن الدفعة الثانية من جرحى وجرحى 3 فبراير، لم يتخيل أن تتحول إصابة قديمة في ساقه إلى معاناة مركبة، تمتد من غرف العمليات المتواضعة في غزة، إلى طرق التهجير تحت القصف، وصولا إلى معبر رفح الذي لم يعد بوابة سفر بل ممر خوف ورعب. وتلخص قصة شاهين آلام آلاف الجرحى الذين أوقفت الحرب علاجهم، وأجبرتهم على مواجهة الألم والجوع والتشريد، قبل أن تفتح لهم نافذة الأمل خارج قطاع غزة. وقال شاهين في تصريحات خاصة لـ«الدستور»، إن إصابته تعود إلى ما قبل الحرب، حيث أصيب بكسر في ساقه تطلب تدخلاً جراحيًا تم خلاله تركيب لوحة بلاتينية. إلا أن العملية التي أجريت في ظروف طبية صعبة داخل غزة، خلفت مضاعفات خطيرة أبرزها التهابات في منطقة الحوض وخلل في طول الساقين، إذ أصبحت إحدى ساقيه أطول من الأخرى بحوالي خمسة إلى ستة سنتيمترات، بحسب ما أظهرته الفحوصات الطبية لاحقا. ومع اندلاع الحرب، توقفت كل فرص العلاج. لم يعد المستشفى مكاناً آمناً، ولم يكن الدواء متوفراً، ولم يعد الطعام كافياً. كما روى شاهين كيف عاش عامين من النزوح المتكرر، متنقلاً بين الخيام والشوارع هرباً من القصف، فيما تزداد آلامه يوماً بعد يوم، ويضعف جسده من الجوع، وتراجعت مناعته، وأصبح المشي مهمة شاقة، في وقت اضطر فيه لمساعدة أسرته في تأمين الماء وأبسط مستلزمات الحياة. تفاصيل خروج الشاب غازي شاهين من قطاع غزة وسط هذا الواقع القاسي. وتقدم شاهين بطلب تحويل طبي عبر وزارة الصحة الفلسطينية، التي قامت بدورها بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، ليتم اتخاذ قرار علاجه خارج غزة وتحديدا في مصر. لكن الرحلة التي كان ينتظرها كطوق نجاة، بدأت بمشهد صادم على معبر رفح. ووصف شاهين معبر رفح بأنه لم يعد بوابة سفر كما كان قبل الحرب، بل تحول إلى منطقة عسكرية مخيفة. ومن خان يونس، حيث لم يبق أي منزل قائما، إلى رفح التي بدت خالية من الحياة، حاصرت الدبابات المكان، ووجه الجنود أسلحتهم نحو الحافلات. وكان الصليب الأحمر يطلب من المرضى عدم النظر من النوافذ خوفا من أي طارئ، في حين تعرض الجميع لتفتيش دقيق شمل حتى مصادرة زجاجات المياه والأطعمة البسيطة التي كانوا يحملونها معهم. وأشار شاهين إلى أن التفتيش كان دقيقًا ومهينًا، وتم خلاله مصادرة زجاجات المياه وبعض المواد الغذائية البسيطة التي كان يحملها المرضى خلال رحلتهم الطويلة. وأكد شاهين أن أصوات القصف لم تفارقه حتى عندما كان على الجانب المصري، حيث كان يسمع صوت الغارات الإسرائيلية من بعيد ويرى الطائرات الحربية تحلق فوق المعبر، في مشهد اختلط فيه الأمان النسبي بالخوف المتجدد. لكن مع عبوره الكامل إلى الأراضي المصرية، شعر لأول مرة منذ سنوات أنه نجا من الموت. وتابع قائلا: “شعرت وكأنني ولدت من جديد”. وبعد أكثر من عشرين مرة من النزوح، والمواجهات المتكررة مع التهديد بالقصف، وجد نفسه أخيراً في مكان تتوفر فيه الكهرباء والماء والغذاء والعلاج. ووصل شاهين إلى المستشفى الإماراتي الميداني العائم في العريش، حيث خضع لمجموعة من الفحوصات والتحاليل والأشعة التي أكدت حجم الأضرار التي لحقت بساقه وحوضه. وأشاد بالرعاية الطبية التي تلقاها من فرق إماراتية ومصرية وإندونيسية، واصفا المعاملة بالإنسانية لدرجة أنه شعر، على حد تعبيره، وكأنه في “الجنة” مقارنة بما عاشه في غزة. لكن فرحة العلاج لم تكتمل والمعاناة لم تتوقف عند إصابته وحدها، إذ عانت والدته أيضا من ألم مضاعف في غزة. وأوضح أن والدته كانت تعاني من كيس دهني في الظهر قبل الحرب، وسافرت إلى مصر حيث تمت إزالته جراحيا، لكن الأطباء أكدوا لاحقا أنه عاد مرة أخرى، بالإضافة إلى وجوده بالقرب من الحبل الشوكي. وبعد عودتها إلى غزة، بدأ الألم يتفاقم، وامتد من الظهر إلى الكتف والرقبة، حتى أصبحت غير قادرة على المشي إلا بمساعدة عكازين حصلت عليها من المستشفى. وأشار شاهين إلى أن العكازات في غزة نادرة وباهظة الثمن، وغالباً ما يتم أخذها من المرضى فور سفرهم لإعطائها لمرضى آخرين، وهو ما يعكس مدى النقص الحاد في الإمدادات الطبية داخل القطاع المحاصر. واليوم تعاني والدته من آلام حادة، وتنتظر تحويلها طبيا للعلاج خارج غزة، لكن دون أي استجابة حتى الآن. ويعترف غازي بحزنه العميق لأنه تركها وحيدة مع شقيقيه الأصغر منها، بعد أن كان هو السند الرئيسي لها في جلب المياه والقيام بالأعمال المنزلية رغم إصابته. وأثناء تلقيه العلاج في العريش، اقترح غازي على الأطباء فكرة نقله إلى أحد مستشفيات القاهرة لإجراء العملية هناك، ليكون قريباً من والده الذي يسكن منطقة الشيخ زايد. والده المخرج فريد شاهين، كادر تلفزيون فلسطين، لم يلتق بغازي منذ أكثر من ثلاث سنوات بسبب إغلاق المعابر. ورحبت الطواقم الطبية بالفكرة وبدأت بالإجراءات اللازمة، لكن العملية لا تزال تنتظر ما يعرف بـ”موافقة الأزمة”، وهي خطوة إدارية قد تستغرق أياما أو أسابيع. وأضاف غازي شاهين أن الأطباء يطمئنونه يوميا على أن نقله إلى القاهرة سيتم قريبا، مؤكدين اهتمامهم الكامل بحالته الصحية سواء أجريت العملية في العريش أو في أحد مستشفيات العاصمة المصرية. قصة غازي شاهين بألمها الجسدي وقلقها الروحي، تمثل صورة مصغرة لمعاناة جرحى غزة العالقين بين الحرب والعلاج، وبين الخسارة والأمل، رحلة بدأت بكسر في الساق، وتفاقمت تحت القصف والجوع والتهجير، وانتهت مؤقتا في أحضان الرعاية الطبية خارج القطاع، لكنها لا تزال مفتوحة أمام قلق الأم المريضة، في انتظار الجراحة المصيرية، وحلم بسيط بحياة آمنة بلا ألم أو حصار.



