اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-06 23:02:00
هذه القصة ليست مجرد حادثة اعتقال في البحر، ولا تفصيلاً عابراً في سجل الانتهاكات الحافل. كانت تلك لحظة تكشف عن تغير في المعايير، حيث أعيدت صياغة الأخلاق بلغة القوة، وأعيد تعريف القانون وفقا لمزاج الهيمنة. وفي مشهد مشحون بالدلالات، تحول أسطول مدني يحمل مواد إغاثية إلى هدف أمني، وأعيد وصف العمل الإنساني بأنه تهديد، فيما دارت آلة القمع بثقة من اعتقد أن الرواية مفتعلة ولا يحاسب عليها. وهنا لا يتم اختطاف ناشطين اثنين فقط، بل هو اختطاف لفكرة التضامن نفسها، وتجريد الضمير العالمي من أدواته، في اختبار فاضح لحدود ما تبقى من نظام القيم الدولي. إن ما يحدث هو جزء من بنية أوسع يمكن أن نطلق عليها «هندسة التجريم الإنساني»، حيث تتم إعادة برمجة الوعي الدولي لقبول معادلة مقلوبة: الإغاثة مدانة، والحصار مبرر، والتحقيق مع الضحية بدلا من معاملته بشكل عادل. إن اختطاف نشطاء أسطول الصمود، وما رافقه من عزلة وإضراب عن الطعام والتهديدات، يُقرأ كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى ردع التضامن وخلق تكلفة سياسية وأخلاقية لكل من يفكر في كسر الطوق المفروض على غزة. إنها محاولة لإعادة رسم حدود العمل الإنساني، بحيث يصبح الاقتراب من الضحية مخاطرة، وليس واجبا. وفي هذا السياق، يبدو البحر كفضاء سيادي مؤمم بالقوة، وتمارس فيه سياسة المصادرة العابرة للحدود الوطنية. وتُنتهك القوانين الدولية باسمها، ويتم التذرع بالأمن لتبرير ما هو في الأساس عمل من أعمال القمع السياسي، ومع تكشف تفاصيل التحقيقات والتهديدات، ينكشف نظام كامل للردع الرمزي يسعى إلى تفكيك أي إمكانية للضغط الشعبي الدولي الفعال. إنها ليست معركة على متن سفينة، إنها معركة حول تعريف المعنى: من له الحق في تسمية الفعل؟ من يحدد متى يصبح التضامن جريمة؟ وفي هذا الصدام، يتم اختبار مصداقية النظام الدولي برمته وقدرته على حماية الحد الأدنى من القيم التي يدعي أنه يمثلها. كيف يتم إعادة تعريف الإغاثة باعتبارها تهديدا أمنيا؟ ولم يعد القمع يحتاج إلى مبررات تقليدية، بقدر ما يتطلب رواية متقنة تعيد ترتيب المفاهيم من جذورها. وفي هذا السياق، يتم استهداف قوافل الإغاثة باعتبارها تهديدًا رمزيًا يهدد بنية الرواية الرسمية. وهنا تتجلى هندسة التجريم الإنساني كأداة متقدمة تشوه الفعل وتعيد توصيفه من الداخل. يتم تقديم الإغاثة كاختراق، والتضامن كتحريض، والوجود المدني كتهديد أمني عابر للحدود. وهنا يتحول الإغاثة من قيمة أخلاقية إلى مسألة أمنية، وتستبدل لغة الحقوق بلغة الشك، في عملية مقصودة من «تأميم الضمير» وإخضاعه لمنطق السيطرة. تقنيات كسر الإرادة وخلق الخوف عبر الحدود. ما يحدث داخل غرف العزل هو جوهر الإستراتيجية. ويمارس العزل هنا كأداة تفكك نفسي ممنهجة، تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الفرد من خلال الارتباك الحسي والضغط النفسي، والإضاءة المستمرة، والبرد القارس، والحرمان من النوم، وتعصيب العينين. وكل هذه ليست ممارسات عشوائية، بل هي عناصر في نظام يعرف باسم “الردع المعرفي”. تهدف هذه التقنيات إلى تحطيم الجسد وإنتاج رسالة تتجاوز الجدران: أن تكلفة التضامن وجودية، وهنا يتحول السجين إلى منصة إذاعية قمعية يُعاد من خلالها توجيه الخطاب إلى الخارج. وأي شخص يقترب من هذا الفعل سيدفع نفس الثمن. سيادة البحر أم سيادة القوة؟ وفي البحر، حيث من المفترض أن تسود قواعد القانون الدولي، يتكشف واقع مختلف، وهو أن الجغرافيا أصبحت تحدد بالقوة. ما حدث يمثل تجسيدا حيا لمفهوم السيادة المتحرك، حيث تتحول حدود السيطرة مع البندقية، وتفرض الإرادة السياسية خارج الإطار القانوني. ويُقرأ انتهاك المياه الدولية هنا على أنه إعلان ضمني بأن القانون أصبح أداة انتقائية يتم التذرع بها عندما يخدم، ويتم تجاوزها عندما يعيق، وبالتالي يتحول البحر من فضاء مشترك إلى مجال سيطرة مؤقت، تُعاد فيه كتابة قواعد الاشتباك وفق موازين القوى، وليس النصوص. ويعكس هذا النمط من الممارسة تحولا أخطر، من سيادة الدولة إلى سيادة العمل العسكري، حيث تتوسع ممارسة السلطة إلى ما هو أبعد من حدودها دون محاسبة، وهنا يتم اختطاف المفهوم قبل اختطاف الأفراد، فمن له حق العبور؟ من يحدد متى يصبح البحر منطقة مغلقة؟ تجريم التضامن.. من فعل أخلاقي إلى شحنة سياسية التضامن، في جوهره، فعل أخلاقي يتجاوز الحدود والهويات، لكنه في هذه الحالة يعاد إنتاجه كفعل مدان وملاحق ومحاصر ويعاد وصفه في قاموس الجريمة. لقد أصبح التضامن انحرافاً سياسياً يستدعي الردع. فالتضامن عندما يتسع يربك موازين السرد ويهدد باحتكار الرواية. ولذلك، يُعاد تفكيكه من خلال شيطنته الخطابية وربطه بخطاب الخطر، ليصبح الانخراط فيه محفوفاً بالمخاطر. والأخطر من ذلك أن هذا التجريم يُمارس من خلال إعادة تطبيع الخوف داخل الفضاء الدولي. تبدأ حركات التضامن بمراجعة أدواتها وإعادة صياغة أولوياتها تحت ضغط التكلفة. في هذه المعادلة يتم استهداف الناشط لأنه يذكّر العالم بما يجب أن يكون عليه، وبالتالي فإن تجريمه هو في جوهره محاولة لإسكات هذا التذكير، وإعادة تعريف الممكن وفق حدود السلطة، وليس حدود الحق. اقتصاد الحصار وإدارة الاختناق. ويعبر الحصار هنا عن بنية اقتصادية سياسية متكاملة يمكن وصفها بـ”الاقتصاد الخانق الموجه”. حيث يُراد إدارة موت المكان ببطء، وفق معادلة دقيقة تجعله على حافة الانهيار دون أن يسقط كلياً. وفي هذا النموذج تتحول غزة إلى فضاء مبرمج للحد الأدنى من الحياة، تقاس فيه السلع، ويراقب التنفس، ويعاد فيه تحديد الحاجة بما يتناسب مع سقف الرقابة. وفي هذا السياق، يعتبر استهداف أسطول الصمود تهديداً مباشراً لهذا النظام. وكل انقطاع في الحدث يمثل خللاً في معادلة السيطرة، ويعيد فتح مسألة السيادة على الإمدادات والحياة. إن دخول قافلة إغاثية، أو حتى محاولة الدخول إليها، هو بمثابة إعلان أن الحصار قابل للكسر، وهذا ما لا يمكن السماح به في منطق الإدارة المشددة للأزمات. ولذلك يُقمع الفعل قبل تحقيقه، وتستهدف الرمزية قبل المادية، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فيما تحمله السفن، بل فيما تمثله: إمكانية كسر الاحتكار، وإعادة توزيع السلطة، حتى على مستوى المعنى. وهنا يتحول الحصار إلى نظام إنتاجي للأزمة، يحتاج إلى الاستمرار، ومقاومة أي محاولة لتعطيله، حتى لو جاءت على شكل تضامن. القانون الدولي بين النص والتوظيف..ازدواجية المعايير كأداة للهيمنة على السطح، يبدو القانون الدولي منظومة متماسكة من القواعد والاتفاقيات، لكنه في الواقع ينكشف كأداة انتقائية، تنشط عندما تخدم، وتتجمد عندما تحرج. وما حدث في البحر يكشف بوضوح هذا الانفصال بين نص القانون وسياسة تطبيقه، فالقانون مخالف، كما يعاد استخدامه للتغطية على مخالفته. فنحن أمام ما يمكن أن نطلق عليه «تسييل الشرعية». وحين تفقد القواعد جمودها وتعاد صياغتها وفق موازين القوى، تُدان الأفعال في سياق وتُبرر في سياق آخر، لا على أساس اختلاف الوقائع، بل على أساس اختلاف الفاعلين. وهنا تتحول المعايير المزدوجة من خلل إلى أداة للهيمنة، تستخدم لإعادة إنتاج النظام الدولي على أساس غير متكافئ. يُقرأ الصمت الدولي في مثل هذه الحالات على أنه موقف مشفر يضفي الشرعية ضمنًا على الفعل ويعيد رسم حدود ما هو مقبول. عندما لا تتم محاسبة المخالفة تتحول إلى سابقة، وعندما تتكرر السابقة تصبح قاعدة. وهكذا، لا يتم تهديد القانون فحسب، بل يتم إفراغه من محتواه، ليبقى إطاراً شكلياً يستخدم عند الحاجة، ويتجاوز عند الضرورة السياسية. معركة الرواية: من يكتب القصة ومن يحدد مكان الضحية؟ بالتوازي مع العمل الميداني، تجري معركة لا تقل شراسة: معركة حول الرواية. لم تعد القضية ما حدث فحسب، بل كيف روى، ومن يملك السلطة في روايته. وهنا تنكشف بنية الرواية كامتداد مباشر للعمل السياسي، حيث تعاد صياغة الحدث ضمن قوالب لغوية تعيد ترتيب الأدوار: يصبح المعتدي مدافعا، والضحية مشتبها به. ويعمل الإعلام في هذا السياق كفاعل تفسيري ينتج الدلالة ويحدد موقع كل طرف داخل القصة، من خلال مفردات محسوبة، وعناوين مشفرة، وصور مختارة. يتم إعادة بناء الواقع وفقًا للسرد السائد. وهنا لا يُحجب الحدث، بل يُعاد صياغته، بحيث يُفهم ضمن سياق مُتصور مُسبقًا، ويُفرغ الفعل من معناه الأصلي. لكن هذه المعركة لم تحسم. ومع اتساع الفضاء الرقمي وتعدد المصادر السردية، تظهر تشققات في احتكار الرواية، مما يتيح إمكانيات إعادة تقديم الحدث من زاوية أخرى. لكن هذه الاحتمالات تظل مهددة بالارتباك والتضليل وغمر المعلومات، مما يجعل الصراع على الرواية مفتوحا وممتدا ومركزيا في تحديد من يُرى ومن يُنسى. وفي نهاية هذا المشهد لم يعد السؤال مطروحا: ماذا حدث في البحر؟ ولكن: ماذا بقي من المعنى بعد أن أعيد تعريفه بالقوة؟ عندما يُجرَّم التضامن، ويدار الحصار كاقتصاد، ويتم التذرع بالقانون لتبرير انتهاكه، وتكتب الرواية من يملك السلطة، فإننا أمام نظام كامل لإعادة تشكيل العالم بما يتناسب مع حجم الهيمنة. لكن الحقيقة التي لا يمكن مصادرتها هي أن كل محاولة لكسر الإنسان تنتج وعيا جديدا، وكل حصار يخلق ثغرة، وكل رواية مفروضة تقابل برواية مضادة. وهنا لا تنتهي المعركة بسفينة متوقفة، بل تبدأ بسؤال لا يمكن قمعه: من له الحق في الإنقاذ، ومن لديه الجرأة على رفض تعريف الجريمة كما يملي عليه؟




