اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-17 09:14:00
بعد ستة أشهر من حرب الإبادة على غزة، وفي 7 إبريل 2024، استشهد الأسير والقائد والكاتب والمفكر وليد دقة، متأثراً بالأمراض الخطيرة التي زرعها السجن في جسده على مدار 38 عاماً من الاعتقال. القهر اليومي، الانتظار، السجن بكل سيطرته على الجسد والروح والخيال، أكبر مؤسسة تسحق الإنسان وتذيب الوعي والهوية الإنسانية. ويعتبر هذا السجن أكبر مشنقة أقيمت للشعب الفلسطيني وما زال كذلك. القتل الممنهج في السجون لا يحتاج إلى تشريع أو قرار قضائي: اسألوا مئات الشهداء والجرحى والمعدمين خنقاً وتعذيباً وتجويعاً وأمراضاً ونسياناً. سوف نكسر الدورة. قال وليد دقة وهو يفر للمستقبل. وأجمل ذكرى هي طفله الجميل ميلاد، المعجزة التي خرجت من ثقب في الجدار، ومن حلم بدأ يرعب السجان. أعطاها اسمه، وقصصه، ورسوماته، ومفاتيح السجن، وأسراره الثلاثة: الزيت، والسيف، والطيف، وخطواته في الحياة الأخرى. في يوم الأسير الفلسطيني هذا العام، رأيت ميلاد يبحث عن والدها. في الزنازين والمقابر والذاكرة، لا يزال جثمان الشهيد وليد محتجزا في قبور العدد أو الثلاجات الباردة. تسمع صوته وهو يصارع السجان في ذلك الجحيم وهو يصرخ فينا: أطلقوا سراح الأسرى الشهداء، أطلقوا سراح الشهداء الأسرى. وليد يطرق باب القبر على الحديد. لا تدع السجن يشغل عقلك. لا تدعها تهندس أفكارك بالصمت والبلادة. المواقف والجغرافيا والسياسة. لا تسمحوا بذلك… أمام كل بيت نقطة تفتيش وبوابة. تحرير الطفل ميلاد من ملف المخابرات والممنوعات. لقد خرجت إلى الزمن الموازي، واقع إنساني هدم نظام السجون وحرك عقارب الساعة الواقفة. زنزانتي في الخارج، قال وليد، وهو يتسلل خارجاً من نفق حفره تحت جدران السجن. لقد كانت ميلاد، وكانت الكتابة عملاً من أعمال المقاومة. ميلاد في الساحة يسأل كل أسير محرر عن أبيه: أيها العائدون من الموت هل رأيتم أبي؟ أيها القادمون من النقب ومجدو وسد تيمان والرملة وعوفر، وعلى وجوههم علامات الضرب والتجويع، أيها الناجون من الإبادة، هل أرسل والدي معكم قصة أو رسالة؟ لن أسمح لهم بكتابة السطر الأخير، كتب وليد إلى ميلاد وهو يفكك قضبان السجن في تلك الزنزانة، وكانت هناك ثلاثة نصوص بعد الغياب: الروح تحارب، الموت لا يلغي الحضور، الحرية لا تموت، الحرية لا تعرف التبادل، الحرية قيمة. ومن طبيعتها أنها لا تعرف كيف تتنازل. في شهر أبريل، عندما يثمر اللوز، ينادي ميلاد والدها. الفتاة خائفة، هاجس المتطرف ابن غفير وهو يبحث عن وليد في كل سجين لديه الإرادة، دولة فاشية دموية انتقامية أعلنت الحرب على الأسرى وهدمت معبد وليد دقة ومدرسة مروان البرغوثي التي شيدت أعظم جامعة في السجن. لم يُطلق سراح وليد دقة حياً أو ميتاً، لأنه كان يقوم بتفكيك المستوطنات. الصهيونية بالقلم والرؤية، وكان يخشى أن يمتد السجن الأصغر إلى كل مكان. لم يكن يريد أن يعيش ميلاد في عزلة بين الأسلاك الشائكة. حرروا المستقبل فهو أسير أحق بالحرية. لقد كتب ذلك لميلاد وهو يزرع في الأسمنت فكرة تحولت إلى وردة. وما زالوا يطاردون وليد. عمليات تفتيش ومداهمات واعتقالات وإعدامات، وهناك هم في كل كتاب وحجر وأغنية، وهناك في كل سجن وقبر وخريطة ولغة، وتحت كل… شجرة وحفنة تراب. ويعتقدون أنه لا يزال يقاوم الموت بالكتابة، وأنه يلتقي بميلاد كل مساء على شاطئ حيفا، وأنه يقود ثورة الشهداء العائدين إلى رام الله. والقبور لا تصمت أيضاً، كما يقول جنرالات الاحتلال بعد أن وجدوا بياناً علنياً موقعاً من وليد يقول فيه: يا شعبي لا تدخلوا ملهى الفتن والإغراء وتطبيع الوعي. ولا تجعل من دمائنا راية تُنسى، ولا من أسماء الشهداء أناشيد رددت ثم تركت على الأرصفة. التعب، نحن لسنا أبطال كما تحب أن تقول، نحن ضرورة قاسية. السجن ليس مجرد اعتقال، بل للتعود على القمع، ليصبح الصمت حياداً وتقسيماً للهوية. حاصروا الظلم بما هو أعمق من الرصاص، بذاكرة لا تشترى، وكرامة لا تمحى. الولادة في الشارع، الولادة في الأمم المتحدة: لقد قُتل والدي على أيديهم، يا سيدي. قاضي المحكمة الجنائية. ولم أره في الدنيا ولا في الآخرة. وهو لا يزال سجينًا بالجسد والروح. لماذا يا سيدي غابت العدالة الدولية؟ أنت يا سيدي. تجلسون على المنصة بينما تجري مجزرة في السجون. إنه عقل دولة عنيفة، لا مرجعية لها سوى القوة، والتشريعات العنصرية، والصواريخ، والجلادين الساديين دون محاسبة. لقد مات والدي هناك، وأنت هنا في غرفة دولية تشبه السجن ولكن من دون حراس. اسمي: ميلاد وليد دقة، من باقة الغربية حتى آخر قطرة دم في غزة، ابن النبوة الذي أسقط حبل المشنقة.



