فلسطين – لا يوجد سجناء في غزة، لكن أشباح رون أراد وغي خفير لا تزال تطاردهم

اخبار فلسطين28 يناير 2026آخر تحديث :
فلسطين – لا يوجد سجناء في غزة، لكن أشباح رون أراد وغي خفير لا تزال تطاردهم

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-28 20:19:00

وليس من قبيل الصدفة أن بنيامين نتنياهو اختار لحظة العثور على جثة آخر جندي ليعلن بفخر: “للمرة الأولى منذ عام 2014، ليس لدينا سجناء في غزة”. تُقال العبارة كرسالة نفسية؛ محاولة لترميم صورة الردع المتصدعة، وإقناع الداخل الصهيوني بأن الصفحة الثقيلة قد طويت. لكن المفارقة القاسية هي أن هذا الإعلان، بدلا من أن يبدو كدليل على القوة، يكشف عن معضلة عميقة في الوعي الصهيوني: دولة نووية، تمتلك أحدث أجهزة المخابرات، لم تتمكن منذ عقود من إغلاق ملفات الجنود المفقودين، ثم تحتفل اليوم لأنه لم يعد لديها أسرى في منطقة جغرافية محاصرة لا تتجاوز مساحتها بضع مئات من الكيلومترات. وبينما يلوح نتنياهو بورقة «صفر أسرى»، تظهر من خلف الكواليس أشباح لم تترك الذاكرة الصهيونية: «رون أراد» الذي ابتلعته حرب لبنان منذ 1986 ولم تتمكن «تل أبيب» من إعادته حياً أو ميتاً، و«غي خفير» الذي اختفى عام 1997 وما زال اسمه عالقاً في أرشيفات الغموض العسكري. هنا على وجه التحديد، يتحول السرد. ليست غزة هي التي تحرج «إسرائيل» بأسرىها. والتاريخ نفسه هو الذي يحرجها. فالقضية لم تعد قضية جنود معتقلين، بل قضية دولة تفقد قدرتها على احتكار اليقين. إنها تخوض حروباً بلا حسم، وتعلن انتصارات بلا ذاكرة، وتحاول إقناع جمهورها بأن غياب الأسرى اليوم يعني غياب الهزيمة، بينما تقول الحقائق إن المعضلة أعمق من جندي، وأطول من الحرب، وأثقل من الدعاية. إعلان “لا للسجناء” هو خطاب دعائي. وعندما يقول نتنياهو إن “إسرائيل” “لم يعد لديها سجناء في غزة”، فهو لا يقدم وصفاً عسكرياً بقدر ما يطلق عملية ترميم نفسي. البيان هنا يمثل محاولة لسد فجوة داخلية اتسعت بين صورة الجيش المباعة للجمهور، والواقع الميداني الذي أظهر هشاشة غير مسبوقة. ويقاس الواقع العسكري بميزان القدرة على فرض الإرادة، ومنع التهديد، والسيطرة على مسرح العمليات. أما هذا الإعلان فهو ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ«خطاب التعويض الاستراتيجي». وعندما تفقد المؤسسة عناصر الردع الحقيقية، فإنها تستبدلها بإعلانات رمزية يتم تسويقها على أنها إنجازات، كانتصار لغوي يهدف إلى تغطية الارتباك على الأرض. نتنياهو الغارق في أزماته السياسية، لا يتعامل مع ملف الجنود كمسألة إنسانية أو عسكرية فقط، بل كرأسمال تعبئة يضخ في عروق الجمهور المرتبك. وفي اللحظة التي تهتز فيها الثقة بالمؤسسة الأمنية، يصبح الجندي – حياً أو ميتاً – وحدة قياس للشرعية السياسية. وإعادته تعني استعادة السيطرة، وفقدانه يعني تآكل الهيبة. أما إعلان «لا أسرى» فيراد منه الظهور وكأنه يعيد احتكار المؤسسة لمصير جنودها، حتى لو كانت الحقائق الأوسع تقول غير ذلك. وهنا تحديداً يتحول الجندي من فرد إلى رمز وظيفي في المسرح السياسي، وتتعامل «إسرائيل» تاريخياً مع جنودها كأيقونات عقد اجتماعي، أي أن الدولة تعد بحمايتهم واستعادتهم، ويمنحها الجمهور التفويض الأخلاقي للحرب، لكن عندما تتعثر هذه المعادلة تظهر الحاجة إلى ما يمكن تسميته «إدارة الرماد العسكري»؛ أي تحويل الخسارة إلى كلام، والخسارة إلى رواية، والفراغ إلى إنجاز. وهكذا يصبح إعلان «لا أسرى» إجراءً نفسياً موجهاً نحو الداخل، وليس مؤشراً على تحول حقيقي في موازين القوى، فالمعادلة الاستراتيجية لا تقاس بعدد الأسرى وحده، بقدر قدرة المؤسسة على إنهاء الحروب دون البقاء عالقة في ذاكرة التاريخ، وهذا ما لم يتحقق. ذاكرة الخسارة الصهيونية، الجرح الذي لم يلتئم في أعماق الصهيونية، هناك ما يمكن أن نطلق عليه “اللاوعي الأمني ​​المثقوب”. إنها مساحة ظل تتراكم فيها الأسماء التي لم يتم استعادتها، والصور التي لم تغلق، والأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها، وهنا يظهر رون أراد كشاهد دائم على حدود السلطة. منذ عام 1986، لم يتمكن الكيان الذي يمتلك شبكة استخباراتية عالمية وأقمار صناعية وتحالفات دولية من تقديم اليقين النهائي لعائلة طياره المفقود. رون أراد لم يعد شخصًا. لقد أصبح بمثابة كناية عن العجز المؤسسي، وقضيته بمثابة تذكير دائم بأن التكنولوجيا لا تهزم الغموض، وأن الإفراط في القوة لا يؤدي بالضرورة إلى الإفراط في السيطرة. أما غاي خفير، فهو يمثل بعدا أكثر إرباكا: فهو ليس أسير حرب بسياق واضح، بل هو لغز يهزم الرواية الرسمية، لجهة الاختفاء من دون مشهد معركة، من دون صورة، من دون رواية مغلقة، وهنا يكمن الخطر. ولأن الغموض أخطر على الدول من إعلان الهزيمة، فإن الهزيمة يمكن تفسيرها، لكن الغياب يبقي المؤسسة في حالة تعليق. لا انتصار ولا اعتراف بالفشل. وبهذا المعنى، لم تعد قضايا المفقودين مجرد ملفات إنسانية، بقدر ما تحولت إلى عقد هوية وطنية داخل المجتمع الصهيوني. كل جندي مفقود هو شرخ في الرواية المبنية على فكرة أن الدولة لا تترك أبنائها خلفها، ومع تراكم هذه الحالات، تتشكل ما يمكن تسميته بـ “ذاكرة المقاومة داخل المجتمع الصهيوني نفسه”؛ ذكرى تقول إن القوة ليست مطلقة، وأن الجيش ليس قادراً دائماً على إغلاق دوائر الحرب. وهنا تظهر المفارقة القاسية. وبينما يحاول نتنياهو تسويق لحظة “لا أسرى” كدليل حاسم، يقول التاريخ عكس ذلك. المشكلة لم تكن أبداً في عدد السجناء فحسب، بل في قدرة الدولة على إغلاق قضية الفقدان من جذورها، وهو ما فشلت في فعله منذ أربعة عقود. من الأسر إلى الهيبة؛ ماذا خسر الكيان فعلياً؟ الخطأ في قراءة المشهد يكمن في اختزاله في سؤال: هل هناك أسرى أم لا؟ بينما السؤال الحقيقي هو: من يحتكر القدرة على فرض قواعد الاشتباك؟ في المراحل السابقة من المواجهة، كان ملف الأسرى أحد مظاهر السلطة، لكنه لم يكن جوهرها. كان الجوهر دائماً احتكار المبادرة: من يبدأ الحرب، من يحدد سقفها، من يقرر متى تنتهي، وهذا الاحتكار هو الذي تحطم، وليس ملف الأسرى فقط. غزة، كفاعل سياسي ـ عسكري، لم تكتف بمراكمة أدوات الضغط، بقدر ما نجحت في إعادة هندسة معادلة الردع. لم يعد المشهد مشهد قصف كيان وطرف يستقبل، بقدر ما أصبح عملاً يستدعيه فعل، إضراب يولد إضراباً، واقتحاماً يولد اقتحاماً. من هنا، يبدو إعلان «لا أسرى» محاولة للتشبث بآخر عناصر التفوق الرمزي، فيما حصل التحول الحقيقي في مكان آخر: لم يعد الكيان هو الطرف الوحيد الذي يملك حق تحديد متى تبدأ المواجهة ومتى تتوقف، ولم يعد صاحب الزمن العسكري الانفرادي، وهذه هي الخسارة الأخطر: ليس خسارة الجنود، بل فقدان امتياز السيطرة على السياق. يمكن للدعاية أن تعلن إغلاق ملف الأسرى، لكنها لا تستطيع أن تعلن استعادة الهيبة. لأن الهيبة هي شعور لدى الخصم بأن تكلفتك أعلى من مكاسبه، فيتآكل هذا الشعور. المفارقة الكبرى.. الكيان القوي يخاف من التاريخ. والمفارقة أن الكيان، بكل تفوقه العسكري، يبدو أقل اهتماماً بمعارك الحاضر من اهتمامه بملفات الماضي غير المغلقة. لماذا؟ لأن الحاضر يمكن إدارته بالقوة، أما الماضي فلا يمكن إدارته إلا باليقين، وهو ما يفتقده. التاريخ هنا يمثل تهديدا سياسيا. كل ملف مفقود هو سؤال مفتوح عن حدود القدرة، وكل اسم غير مسترد هو ثغرة في رواية تقول إن المؤسسة الأمنية تعرف كل شيء، وتصل إلى كل مكان، وتستعيد كل مفقود. وعندما تعجز الهيئة عن إغلاق هذه الملفات، يحدث ما يمكن تسميته «تآكل الهيبة الصامت»، حيث تتراكم الشكوك، ويبدأ الجمهور بالتساؤل: إذا كانت المؤسسة لم تتمكن من حل لغز واحد منذ عقود، فكم من الألغاز الأخرى تخفيها؟ وهنا يتحول الجندي المفقود من قضية إنسانية إلى وثيقة اتهام تاريخية. ولهذا السبب يبدو الاحتفال بـ “لا للسجناء” بمثابة محاولة لإغلاق الباب بسرعة أمام الحاضر قبل أن يفتح التاريخ كل الأبواب أمام الماضي دفعة واحدة. غزة دولة سياسية وليست جغرافيا. في الخطاب التقليدي، يتم تقديم غزة على أنها مساحة ضيقة، ومنطقة محاصرة، وكثافة سكانية عالية، وأزمة إنسانية، لكن ما حدث في السنوات الأخيرة حولها من جغرافيا مُدارة إلى دولة سياسية فاعلة. من موضوع للسياسات إلى منتج للمعادلات. هذه البقعة الصغيرة لم تكسر التفوق العسكري المباشر للكيان، لكنها كسرت شيئاً أخطر، وهو احتكار الزمن العسكري. في العقود السابقة، كان الكيان هو من يضغط على زر البداية، ويختار لحظة النهاية، ويبقي الآخرين ضمن زمن رد الفعل، أما اليوم، فقد دخلت المواجهة فيما يمكن تسميته بالزمن المتبادل؛ حيث لم تعد المواجهة قراراً أحادياً، بقدر ما أصبحت مساراً تفاعلياً تتوزع فيه القدرة على المبادرة. إن اثنتي عشرة سنة من الاشتباك المتواصل لم تنتج جولات من القتال فحسب، بل أنتجت تحولا في طبيعة الاشتباك. أصبحت غزة جهة فاعلة مسيطرة. فهو يفرض توقيت الانفجار، ويحدد سقف التصعيد، ويجبر الكيان على القتال ضمن معادلات لم يخلقها وحده، وهنا يتغير المفهوم: القوة ليست في حسم المعركة، هي القوة في منع الآخر من احتكار تعريفها. ولذلك فإن اختزال غزة إلى ملف أسرى قراءة غير كافية، واستمرار حضورها المقاوم هو ما غير صورة الردع، وهو ما جعل الكيان ينتقل من موقف الفاعل المنفرد إلى موقف الفاعل المضطر إلى التكيف. وبهذا المعنى، فإن غزة ليست استثناءً في الجغرافيا. غزة اليوم تمثل استثناءً في الوظيفة السياسية، من نقطة صغيرة أعادت توزيع الأدوار في مواجهة بدت محسومة. القول بأن «لا أسرى في غزة» لا يعني أن الكيان قد خرج من مأزقه، بقدر ما يعني أنه دخل مرحلة أكثر هشاشة على مستوى المعنى، مرحلة يصبح فيها الفراغ إنجازا رمزيا، لأن الإنجاز الفعلي غائب، مرحلة يتحول فيها التاريخ إلى تهديد استراتيجي، لأنه يكشف ما فشل الخطاب في إخفائه، ومرحلة يصبح فيها التاريخ خصما سياسيا، وليس مجرد سجل للأحداث. ولذلك فإن الأشباح التي لم تجهز، والأسماء التي ظلت معلقة بين الغياب واليقين، ليست تفاصيل قديمة. هؤلاء الأشباح هم من يكتبون الرواية الأطول، ويذكرون أن قواعد المواجهة لا يحسمها إعلان، ولا يغلقها بيان، بل تبقى مفتوحة ما دامت الذاكرة مفتوحة.

اخبار فلسطين لان

لا يوجد سجناء في غزة، لكن أشباح رون أراد وغي خفير لا تزال تطاردهم

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#لا #يوجد #سجناء #في #غزة #لكن #أشباح #رون #أراد #وغي #خفير #لا #تزال #تطاردهم

المصدر – وكالة شهاب الإخبارية – – الصفحة الرئيسية