اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-03 12:10:00
بقلم رامي مهداوي عند قراءة رواية «على طريق مريم» لنادية حرحش، تحتاج إلى دفتر وقلم، لا لتدوين الأحداث العابرة، بل لتلتقط طبقات من المعنى تتراكم صفحة بعد صفحة، وفنجان قهوة طويل القامة أو حتى قطعة شوكولاتة تساعدك على تحمل كثافة النص. هذه ليست رواية يمكن قراءتها على عجل، بل هي عمل يدعو إلى قارئ يقظ، مستعد لإبطاء إيقاعها من أجل مواكبة إيقاعها الداخلي. تقوم الرواية على مشروع سردي معقد يتجاوز القصة إلى التشكيك في البنية العميقة للوعي الجماعي، وخاصة الوعي المتشكل حول المرأة في الفضاء الديني والاجتماعي والسياسي المضطرب. ما يذهل في هذا العمل ليس فقط تعدد القصص، بل قدرة الكاتب على جعل هذا التعدد يخدم وحدة رمزية كبرى: مريم ككيان مجزأ يتكرر عبر أربع نساء، فيصبح الاسم قدرا، والقدر دورة تاريخية لا نهاية لها. تقوم الرواية على تشابك الحبكات المتوازية، لكنها ليست قصصًا منفصلة، بل مراحل لمريم واحدة. تخلق هذه البنية لدى القارئ إحساسا بالتوقع المسبق، وكأن هناك رؤية قدرية تحكم المصائر، ثم يفاجئه الكاتب بكسر التوقع، ليس عبر حبكة بوليسية أو مفاجأة شكلية، بل عبر تعميق الألم. والتوقع هنا ليس بوابة للاطمئنان، بل لصدمة أشد وطأة. وكأن النص يقول إن معرفة القارئ بطبيعة الظلم لا تعفيه من خطورة عواقبه. تنسج الرواية تناصًا واضحًا مع الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري، حيث تنقسم حياة المريمات بين الجحيم والمطهر والجنة. لكن الجنة هنا ليست خلاصا نهائيا، بل هي لحظة عابرة تخدش بسرعة. كما أنها تعتمد على أسطورة عشتار في نزولها إلى العالم السفلي بحثاً عن تموز، فتصبح المريمات تجليات حديثة للأم العظيمة التي فقدت مكانتها في مجتمع أبوي أطاح بالألوهية الأنثوية. وبهذا المعنى، لا تُقرأ المآسي كأحداث فردية، بل كأصداء لسقوط تاريخي أعمق. ومن أهم مفاتيح النص ثنائية العذراء/المجدلية. الذاكرة الدينية الشعبية جعلت من الاسمين قطبين متضادين: الطهارة المطلقة أو الخطيئة المطلقة. والرواية تفكك هذه المعارضة وتكشف زيفها. المرأة محاصرة بين صورتين جاهزتين، وتمنح «الشهادة الأخلاقية» حسب مزاج المجتمع الذي يمزج الدين بالعادات. التعميم الذكوري الذي يقسم المرأة إلى قوالب نمطية ليس بريئا، بل هو آلية تحكم رمزية تحول الاسم إلى سجن. ومع ذلك، من الممكن الاعتراض فلسفيًا على النزعة المضادة للتعميم التي تكاد تدين الذكورة باعتبارها جوهرًا وليست سلوكًا. وهنا يبرز سؤال العلاقة المتبادلة: هل الاضطهاد هو نتيجة طبيعة ذكورية بحتة، أم نتاج بنية اجتماعية تشاركية تعيد إنتاج نفسها من خلال خضوع البعض وصمت البعض الآخر؟ تميل الرواية نحو الإدانة النقدية للرجل، ونادرا ما تعطيه مجالا للتعقيد الأخلاقي. يخدم هذا الاختيار أطروحتها النسوية، لكنه يفتح الباب للنقاش حول إمكانية تجاوز ثنائية الضحية/الجاني نحو تساؤل أعمق حول البنية التي تنتج كليهما. وفي البنية السردية يتجلى تجانس الشكل والمضمون بشكل واضح. إن تعدد المريمات ليس خدعة شكلية، بل هو تجسيد لفكرة التكرار التاريخي. تبدأ كل مريم من حيث توقفت الأخرى، وكأن الزمن دائري وليس خطيًا. وموت الابنة «يافا» لحظة اكتمال الفردوس الرابع يرمز إلى استحالة الكمال، بل سقوط جديد يعيد الدورة إلى بدايتها. الاسم هنا ليس اختيارًا عاطفيًا؛ إنها إشارة سياسية إلى فقدان المدينة/الوطن، بحيث يصبح فقدان الأم صورة مصغرة لخسارة الأرض. القدس في الرواية ليست خلفية جغرافية، بل هي مركز رمزي تشتد فيه التناقضات. إنها المدينة التي تلخص المدن، والاسم الذي يبلع الأسماء. كما تمثل “تمار” بعدًا مانويًا واضحًا، يتعارض فيه النور والظلام. حياتها بين الجنة الباريسية والجحيم الحقيقي ليست مجرد انفصال نفسي، بل كناية عن إنسان ممزق بين مثاليته وواقعه. مقتلها برصاص جندي إسرائيلي يعيد المأساة إلى سياقها السياسي، ويؤكد أن الاضطهاد النسوي لا ينفصل عن الاضطهاد الوطني. وعلى مستوى اللغة، يميل الكاتب نحو المباشرة الواضحة، مع تحولات أسطورية تضيف كثافة رمزية. أحيانًا يثقل التناص السرد، لكنه بشكل عام يخدم الرؤية ويعطي النص عمقًا يتجاوز الواقعي إلى الفلسفي. ولا يخرج القارئ بقصة فحسب، بل بتجربة تأملية حول معنى العدالة والحب والحرية. في الختام، «في طريق مريم» ليست رواية عن أربع نساء بقدر ما هي ملحمة عن امرأة واحدة تتكرر على مر العصور. مريم هي كل امرأة تبحث عن نفسها في مجتمع يقيدها بالاسم قبل الفعل، وهي أيضاً كل فلسطيني يبحث عن خلاصه في مدينة مزقتها الجدران. إنها رواية عن جنة الممكن والمستحيل، عن السعي الدائم وراء ضوء يُدرك للحظة ثم ينطفئ، لتبدأ الرحلة من جديد.




