فلسطين – هل الهروب من المشكلة يعني النجاة منها؟

اخبار فلسطينمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
فلسطين – هل الهروب من المشكلة يعني النجاة منها؟

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-24 18:40:00

قراءة نفسية للمثل السينائي: “تشردنا المطر وسقطنا تحت المزاريب”. الأمثال الشعبية مليئة بالحكمة التي قد لا تتمكن كتب علم النفس بأكملها من تقديمها. لأنه ولد من التجربة الإنسانية، وتم صقله مع مرور الوقت، حتى لخص في كلمات قليلة ما يحتاج شرحه إلى صفحات. ومن أجمل هذه الأمثال المثل الذي يتداوله أهل سيناء: “تشردنا بالمطر ووقعنا تحت المزاريب”. للوهلة الأولى، يبدو المثل مجرد تصوير ساخر للمصيبة، لكنه في الواقع يصف أحد الأخطاء النفسية الأكثر شيوعًا في حياة الإنسان. إنه الوهم الذي يجعلنا نعتقد أن مجرد الهروب من المشكلة يعني أننا أقرب إلى الحل. عندما يتعرض الإنسان لضغوط نفسية شديدة، أو يعيش في حالة من الخوف والتهديد، يصبح تركيزه منصباً على التخلص من الألم الحالي، بدلاً من التركيز على ما سيواجهه لاحقاً. وفي تلك اللحظة لا يسأل نفسه: إلى أين أذهب؟ بل يسأل فقط: كيف أهرب؟ وهنا تبدأ المشكلة. أثبتت الدراسات النفسية أن الدماغ تحت الضغط لا يعمل بنفس الطريقة التي يعمل بها في الظروف العادية. وتتراجع القدرة على التفكير الدقيق، ويزداد الميل إلى اتخاذ القرارات السريعة، ويضيق إدراك الإنسان للبدائل الممكنة، حتى يبدو له أن أمامه خياراً واحداً فقط، في حين أن الخيارات في الواقع أكثر مما يتخيل. ولهذا السبب، كثيراً ما يختار الإنسان ما يخفف آلامه اليوم، دون أن يدرك أنه سيضاعف معاناته غداً. يسمي علماء النفس هذا النمط من التعامل مع التجنب. التجنب ليس دائمًا سلوكًا سلبيًا؛ الابتعاد عن مصدر الخطر قد يكون قراراً حكيماً إذا كان مؤقتاً ويهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التجنب إلى أسلوب حياة، فنهرب من كل مواجهة، ونستبدل كل أزمة بأخرى، ونظن أننا نحل المشكلة بينما في الحقيقة نحن نؤجلها أو نزيدها تعقيدا. ولذلك فإن الاجتناب يشبه تناول المسكنات دون علاج المرض؛ يخفف الألم لبعض الوقت، لكنه لا يزيل سببه. 🍀ومن هنا نفهم لماذا يترك بعض الأشخاص وظائفهم بسبب مدير متسلط، ثم يكتشفون أن المدير الجديد أكثر قسوة. 🍀 لماذا يهرب الآخرون من علاقة زوجية مضطربة دون أن يمتحنوا أنفسهم، ويدخلون في علاقة أخرى تحمل نفس المشاكل، وربما أشد؟ 🍀 لماذا يغير بعض الشباب بلداً بأكمله بحثاً عن الراحة، ثم يكتشفون أن الغربة أضافت إلى مشاكلهم القديمة شعوراً جديداً بالوحدة والاقتلاع؟ المشكلة ليست دائما في المكان، بل قد تكون في طريقة التفكير، أو أسلوب اتخاذ القرار، أو الهروب قبل فهم أسباب الألم. وفي علم النفس هناك مفهوم آخر يفسر هذه الظاهرة وهو الحاجة إلى الإغلاق المعرفي. الإنسان بطبيعته يكره الغموض، ويشعر بالتوتر عندما يمر بحالة من عدم اليقين، ولذلك فهو يبحث عن أي حل سريع يعيد له الشعور بالاستقرار، حتى لو لم يتم التفكير في هذا الحل. ولهذا السبب نرى العديد من القرارات الحاسمة تُتخذ في لحظات الخوف، وليس في لحظات الحكمة. وهذا لا ينطبق على الأفراد فحسب، بل على المجتمعات أيضًا. عندما يواجه الناس حروباً، أو أزمات اقتصادية، أو انقسامات سياسية، يصبحون أكثر استعداداً لقبول الحلول السريعة، أو القادة الذين يعدون بالخلاص الفوري، أو التحالفات التي تبدو أقل ضرراً من الواقع القائم. لكن التاريخ يعلمنا أن أمما كثيرة لم تنتقل من أزمة إلى استقرار، بل من أزمة إلى أخرى، لأنها كانت تهرب من المطر وتقف دون أن تدري تحت المزاريب. ولعل هذا ما يفسر العديد من التحولات السياسية التي انتهت بنتائج عكسية. فكم من إنسان فر من الاستبداد وسقط في الفوضى، وكم من دولة سعت إلى التخلص من نفوذ قوة ووجدت نفسها أسيرة لقوة أخرى أكثر هيمنة. 👈الخوف مستشار سيء عندما ينفرد في اتخاذ القرارات. ولكن من المهم أيضًا عدم إساءة فهم هذه الفكرة. والدعوة هنا ليست البقاء في كل واقع مؤلم، ولا رفض التغيير. يميز علم النفس بين الهروب والانسحاب الواعي. الانسحاب الواعي هو قرار يعتمد على دراسة البدائل وتقييم النتائج واختيار الخيارات الأقل ضررا على المدى الطويل. أما الهروب فهو استجابة عاطفية تهدف إلى التخلص من الألم الآن مهما كان الثمن في المستقبل. لذلك فإن المرونة النفسية لا تعني تحمل كل شيء، ولا تعني الهروب من كل شيء، بل تعني القدرة على اختيار التوقيت المناسب، والطريق المناسب، والقرار المناسب. الإنسان الناضج لا يقيس نجاح قراره بمقدار الراحة التي شعر بها في ساعته الأولى، بل بما حققه ذلك القرار بعد أشهر وسنوات. 👈هنا تتجلى عبقرية المثل السينائي. 🍀 ولا يحذر من المطر، بل يحذر من القرارات التي تتخذ بسبب الخوف. 🍀 لا يدين الحركة بل يدين الحركة العشوائية. 🍀 وهو لا يرفض التغيير، بل يدعو إلى أن يكون التغيير على البصيرة، وليس على الذعر. لذلك فالحكمة ليست أن نهرب من المطر بأسرع ما يمكن، بل أن نتوقف لحظة وننظر إلى الطريق ونسأل أنفسنا: هل هذا الاتجاه يقودنا إلى الخلاص… أم إلى المزاريب؟ كثير من المآسي الفردية، وكثير من الكوارث المجتمعية، لم تبدأ بنوايا سيئة، بل بقرار اتخذ تحت ضغط الخوف. ولهذا فإن العاقل لا يجعل الألم دليل قراراته، ولا يجعل الخوف بوصلة مستقبله، بل يعطي العقل فرصة ليرى ما لا تراه العين المغمورة بالمطر. قد يكون المطر الذي نخشاه أقل ضرراً بكثير من المزاريب التي نسارع للوقوف تحتها.

اخبار فلسطين لان

هل الهروب من المشكلة يعني النجاة منها؟

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#هل #الهروب #من #المشكلة #يعني #النجاة #منها

المصدر – وكالة شهاب الإخبارية – – الصفحة الرئيسية