اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-27 00:00:00
لقد كنت حاضرا في مجلس الشورى، واستمعت إلى نقاش صادق ومعمق حول السمنة لدى الأطفال وطلبة المدارس، وتأثيرها الصحي والنفسي والاجتماعي. وما ميز هذا النقاش هو حضور الطلاب والطالبات أنفسهم، إلى جانب القطاع التعليمي، وكأن الرسالة كانت واضحة: الحديث ليس عنهم، بل معهم، فهم الحاضر قبل أن يكونوا المستقبل. ويدرك الجميع أن الدولة تبذل جهودا واضحة لمعالجة السمنة، إلا أن المعدلات لا تزال في تزايد. وهنا يصبح السؤال الأهم: لماذا؟ لأن العلاج وحده لا يكفي. وتتطلب المشكلة مسارين متوازيين: الوقاية المبكرة والتدخل العلاجي المنظم، الذي يبدأ قبل المدرسة ولا ينتهي عند هذا الحد. لكن قبل المدرسة، وقبل العيادة، وقبل حصة الرياضة، هناك بيت… وهناك عائلة. الدور الأكثر أهمية في السمنة لدى الأطفال هو دور الوالدين. لا يمكن للمدرسة وحدها أن تخلق نمط حياة إذا كان المنزل يدمر ما تحاول بنائه. واليوم نرى أطفالاً يحملون في هواتفهم بطاقات مصرفية، والأموال متوفرة في أيديهم دون رقابة أو توجيه. الطفل لا يأكل لأنه جائع، بل لأنه يعتاد على وجود الطعام في أي وقت. يترك المدرسة ويمر بمطاعم الوجبات السريعة والتعاونيات والمحلات التجارية، ويملأ يومه بالحلويات والمشروبات السكرية، دون أن يشعر بجوع حقيقي. نشأ هؤلاء الأطفال على ثقافة «طعام الشارع»، حتى أصبح تناول الطعام في المنزل غريباً عنهم. إنهم لا يعرفون الأطعمة الشعبية أو الخضار أو الفواكه أو منتجات الألبان. ولم يكن لديهم مرجع غذائي صحي، كما كان الحال مع الأجيال السابقة التي نشأت على تناول الطعام المطبوخ في المنزل. وحتى لو أخطأوا يومًا ما، فهم يعرفون إلى أين يعودون. فالطفل يتعلم مما يرى وليس مما يقال له. إذا رآها تختار الطعام الصحي، وتشرب الماء، وتخطط لوجباتها، فسوف تتعلم ذلك تلقائياً. وإذا رآها تعتمد على الوجبات السريعة والمشروبات الغازية فسوف يتعلم هذا السلوك بنفس الطريقة. التغذية ليست وصفة، بل ثقافة يتم تنميتها يوميا. ومع مرور الوقت، تبدأ النتائج في الظهور. الأطفال الذين يعانون من دهون الكبد وارتفاع نسبة السكر في الدم والكوليسترول والأمراض المزمنة التي سبق تشخيصها في سن متقدمة. وهنا لا يمكن اعتبار الأمر مجرد زيادة في الوزن، بل يشكل خطرا صحيا حقيقيا. ثم تأتي المدرسة التي من المفترض أن تكون بيئة داعمة للصحة. وعلى الرغم من وجود ممرضات المدارس، إلا أن المتابعة لا تكتمل في كثير من الأحيان بسبب ضعف التزام بعض أولياء الأمور. أما بالنسبة للمقاصف المدرسية، فرغم منع الحلويات والمشروبات الغازية، إلا أن الكثير من الأطعمة المقدمة لا تزال مرتفعة السعرات الحرارية ومنخفضة القيمة الغذائية، دون توضيح المكونات أو المحتوى الدهني. الحل لا يبدأ بالعقاب بل بالوقاية المبكرة، وذلك بتفعيل دور عيادة الطفل السليم لتكون عيادة إشرافية مؤسسية تربوية تضم طبيب أسرة وأخصائي تغذية أطفال. تبدأ المتابعة منذ الأشهر الأولى، بتثقيف الأهل، وتنظيم إدخال الطعام، وبناء عادات غذائية صحيحة، مع زيارات دورية حتى سن دخول المدرسة، حتى لا ينتقل الطفل إلى مرحلة المدرسة إلا إذا كان ضمن وزن صحي. ثم يأتي دور المدرسة، من خلال ربطها مباشرة بالمراكز الصحية، وتوفير أخصائيي التغذية الذين يزورون المدارس بشكل أسبوعي، ومتابعة حالات الوزن الزائد والسمنة، والعمل مع الطلاب وأولياء الأمور من خلال لقاءات توعوية منتظمة. سيكون هناك إشراف فعال على المقاصف المدرسية، مع مطالبة الموردين بتوضيح المكونات وتقليل الدهون وزيادة الخضروات والفواكه ومنتجات الألبان والمياه. أما النشاط البدني فيجب أن يكون جزءاً يومياً من حياة الطالب، وليس موضوعاً هامشياً. من خلال مدربي لياقة بدنية متخصصين ذكوراً وإناثاً، يشجعون الأطفال على الحركة، ويقدمون التمارين المناسبة ولو لفترة قصيرة، باستخدام ساحة المدرسة والمعدات الرياضية البسيطة. وفي الختام، فإن السمنة لدى الأطفال ليست مشكلة وزن، بل هي مسألة وعي وثقافة ومسؤولية مشتركة، مسؤولية تبدأ في المنزل، وتدعمها المدرسة، وينظمها التشريع، وتحمي مستقبل أمة بأكملها. عندما نختار اليوم لحماية صحة الأطفال، فإننا نختار الغد. خبير واستشاري في مجال التغذية العلاجية والمجتمعية.[email protected]




