اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-31 20:49:00
بقلم: د. مصطفى أصلان – أستاذ اللغويات التداولية بكلية الشرطة القطرية خلق الله الإنسان كائناً متحولاً؛ إنها ليست صفحة بيضاء نقية، ولا ظلمة كاملة، بل هي خليط من النقص الكامل، وقد كشف القرآن الكريم عن هذه البنية البشرية بوضوح. فهو لم يجمل الطبيعة ليخدعها، ولم يجعلها قبيحة ليجعلها تيأس. بل وصفها كما هي، ثم فتح لها باب التغيير. وقد وصفه الله تعالى بقوله: “”إِنَّهُ كَانَ ظُلُومًا جَاهِلًا”” (الأحزاب: 72). فهو ظالم إذا تجاوز الحد، وجاهل إذا افتقر إلى قدر الحكمة، لكن هذه الصفات ليست قدراً محتوماً؛ يُقابل الظلم بالعدل، ويُقابل الجهل بالعلم. مهمة الإنسان هي الانتقال من أهواء النفس إلى عدالتها، ومن غفلة الطبيعة إلى نور المعرفة. وكل خطوة تقوده نحو فهم أعمق، وكل مراجعة صادقة لقرار ظالم، هي خروج من وصف إلى آخر. وكما وصفه الله تعالى بالضعيف، “وخلق الإنسان ضعيفا” (النساء: 28). ضعف في احتماله، وضعف في صبره، وضعف في مواجهة شهوته وخوفه. ولكن الضعف ليس عيبا إذا كان دافعا إلى طلب المساعدة، ولا يكون نقصا إذا كان طريقا إلى التوكل. القوة لا تولد من إنكار الضعف، بل من الاعتراف به وتجاوزه. قوة الإرادة التي تسيطر على الشهوة، وقوة العقل الذي يزن الأمور، وقوة القلب الذي يتواصل مع من هو أقوى. ويأتي وصف يهز الوجدان: «قَتْلُ الْإِنْسَانِ أَكْفَرُ لَهُ» (عبس: 17)، ثم قوله: «الإنسان ملجأ إلى ربه» (العاديات: 6). فهو جاحد للنعم، عنيد وجحود. لكن الكفر يقابل الشكر، والإحسان يقابل الاعتراف. فالشكر ليس كلمة تقال، بل هو وعي دائم بأن النعمة ليست حقا مكتسبا، بل هي عطية تتطلب التواضع والشكر، وهنا تتجلى حقيقة الرسالة الإنسانية وهي “التصفية قبل الحلاوة” عندما يفرغ الإنسان قلبه من رواسب الظلم والهلع والتسرع، ثم يملأه بالعدل والصبر والحلم. ثم أقسم الله بالنفس “والنفس وما سواها * فألهمها الفسق والتقوى” (الشمس: 7-8). هناك طريقان في الإنسان، ولا يكون أحدهما أقرب إليه من الآخر إلا باختياره. لقد وضع القرآن القاعدة الكبرى للتحول: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد: 11). التغيير يبدأ من الداخل، من قرار خفي يتخذه الإنسان بينه وبين نفسه، ومن هنا تكون الحياة اختباراً مستمراً للاتجاه الذي يسلكه. إن أهمية التغيير في حياة الإنسان ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي ضرورة وجودية. فإما أن يبقى أسيراً لصفاته الأولى، أو يتجاوزها إلى نقيضها. وبين الظلم والعدل، والجهل والعلم، والجزع والصبر، والعجلة والحكمة، والكفر والشكر، تتحدد ملامح شخصيته ومصيره. الإنسان الحقيقي هو الذي يجعل من كل يوم فرصة ليكون أفضل من الأمس، ليس كاملاً، بل مخلصاً في سعيه إلى الكمال.




