اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-11 23:15:00
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد خيال علمي تحكيه روايات المستقبل، بل أصبح واقعا يطرق بقوة أبواب المحاكم ومكاتب المحاماة في دولة قطر. وفي خضم هذه الثورة التقنية، انقسم المجتمع القانوني بين تيارين: تيار داعم يرى في أدوات الذكاء الاصطناعي طوق نجاة لاختصار الوقت وفرز آلاف الوثائق وبناء هياكل المذكرات القانونية بسرعة فائقة، وتيار محافظ ينظر بتوجس إلى هذه الخوارزميات، محذرا من تحولها إلى “مقبرة” للملكة القانونية والإبداع البشري. إن الخطر الأعظم لا يكمن في استخدام التكنولوجيا في حد ذاتها، بل في الاعتماد الأعمى عليها. لذلك، فإن صياغة المذكرات القانونية ليست مجرد مجموعة كلمات وتجميع نصوص، بل هي هندسة الحجج، واستنباط الدفوع من بين سطور الوقائع، وتكييف النزاع بما يعكس روح القانون، والاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي يحول الدفوع إلى قوالب جامدة ومتكررة، ويقتل موهبة المحامي الشاب، ويطمس روح الاجتهاد والكفاح التي لا يمكن أن تشعر بها أي آلة. وقد استشعرت محكمة قطر الدولية ومركز تسوية المنازعات هذا الخطر مبكراً، وتوج ذلك بإصدار التوجيه الإجرائي رقم (1) لسنة 2022. ولم يقف هذا التوجيه عائقاً أمام التنمية، بل وضع خطاً فاصلاً بين المساعدة والاعتماد. وحظر التوجيه بشكل قاطع ظاهرة ما يعرف بـ”الهلوسة الرقمية”، وهي الظاهرة الخطيرة التي تقوم فيها الخوارزميات بخلق سوابق قضائية وهمية لا وجود لها على أرض الواقع من أجل تبرير حجة معينة. ولدينا درس في السوابق، حيث وجهت الأروقة القضائية المسجلة في القضية رقم 2022/0033 لدى محكمة قطر الدولية إنذارات صارمة لمحام اعتمد كليا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في صياغة مذكراته، وأشار إلى أحكام قضائية ظهرت في الظاهر أنها رصينة وموثقة، ليكتشف القضاء عند فحصها أن تلك المصادر مجرد خيال إلكتروني محض لا أساس له من الصحة. ولا يمثل هذا السلوك ازدراء لهيبة القضاء فحسب، بل يشكل أيضا خرقا جسيما لمبادئ الشرف والأمانة المهنية المنصوص عليها في قانون المحاماة القطري، ويمثل خطأ تعاقديا واضحا لعدم بذل العناية الواجبة وفقا للسوابق القضائية لمحكمة التمييز. علاوة على ذلك، دق التوجيه ناقوس الخطر بشأن مبدأ حرمة السرية والخصوصية، حيث يمثل قيام المحامي بإدراج تفاصيل قضايا موكليه وبياناتهم الشخصية والمالية في منصات الذكاء الاصطناعي المفتوحة، انتهاكا صارخا لقانون حماية خصوصية البيانات الشخصية، كما أن جريمة إفشاء الأسرار يعاقب عليها القانون. وفي الختام، فإن حوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع العدالة القطري هي رسالة واضحة مفادها أن التكنولوجيا أداة مساعدة لتعزيز كفاءة المحامي وليست بديلا عنه، وأن التحليل البشري الرصين سيبقى. إن الموازين في يد الإنسان، وسيظل العقل القانوني البشري بمكره وحكمته وفهمه لروح العدالة هو السيد في المحاكم. محامي في شركة الوعب للمحاماة والاستشارات القانونية.




