اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-26 00:00:00
ليست المشكلة في أننا نختلف، بل في طريقة فهمنا لهذا الاختلاف. إن المجتمعات لا تنفجر بسبب تنوع أفكارها، بل لأنها تفقد قدرتها على استيعاب هذا التنوع. هناك لحظة دقيقة، غالبا ما تمر دون انتباه، يتحول فيها الفهم إلى حكم، والحوار إلى تسمية، والإنسان إلى تسمية: ملحد، أو زنديق، أو علماني، أو حتى “منحرف”. وحينها لم نصف الآخر، بل أنهينا احتماله. أبدأ من قناعة بسيطة ولكنها مزعجة: الإنسان ليس معطى نهائيا. ليس المهم ما يظهر، ولا ما يقال عنه، بل ما يمكن أن يكون. كل فرد يحمل في داخله إمكانيات مؤجلة، ومعاني لم تفهم بعد، وإمكانات لم يتم اختبارها. ولذلك فإن اختزاله في تعريف واحد ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو عمل من أعمال الإلغاء. إننا نخطئ ليس فقط عندما نسيء فهم الآخر، بل أيضا عندما نعتقد أننا نفهمه تماما. وفي هذا السياق يصبح الإسقاط الأيديولوجي أكثر خطورة من مجرد العاطفة اللغوية. إنها ممارسة ناعمة للعنف تغلق المعنى بدلاً من أن تفتحه. وهنا يتجلى ما أشار إليه بيير بورديو عندما تحدث عن «العنف الرمزي»: قوة لا تحتاج إلى سلاح، لأنها تعمل من داخل اللغة نفسها. والكلمة هنا لا تصف، بل تستثني. لا تشرح بل احكم. وعندما نحكم، ننتهي. لكن ما هو أخطر من التصنيف أو الترميز نفسه هو الوهم الذي يخلقه، وهو وهم الفهم. التصنيف يعطينا شعوراً مريحاً بأننا سيطرنا على المعنى، وأننا وضعنا الآخر في مكانه الصحيح. ومع ذلك، فإن هذا “الفهم” ليس سوى اختزال مناسب، يوفر علينا عناء التفكير. وهنا لم يعد السؤال: هل نفهم الآخر؟ بل: هل ما زلنا قادرين على الفهم أصلاً؟ وفي المجتمعات القلقة، حيث تشعر الهوية بالتهديد، تزداد الحاجة إلى تعريفات قوية. ويصبح الغموض خطرا، والتنوع عبئا، والتساؤلات تهديدا. في مثل هذه البيئة، لا يُنظر إلى الاختلاف على أنه تنوع، بل على أنه اختراق. وهنا أصبح منطق “نحن” و”هم” الذي بلوره كارل شميت مطلوباً، ولكن ليس فقط في السياسة، بل وأيضاً في نسيج المجتمع نفسه. كل ما هو مختلف هو مشروع الخصم، وكل فكرة غير مألوفة هي بداية الانقسام. ومع تكرار هذه العملية، تضيق المساحات الوسطى. لم يعد هناك مكان لمن يفكر ببطء، أو يشك، أو يحاول أن يفهم من أكثر من زاوية. يتم دفع الناس نحو مواقع أكثر تطرفًا، لأن الوسط لم يعد آمنًا. ومن ثم فإن التطرف لا ينشأ من قناعة راسخة بقدر ما ينشأ من بيئة لا تحتمل التعقيد. ولا أرى أن هذه الظاهرة مجرد خلل أخلاقي، بل هي أزمة في الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان. نحن نميل إلى إنهاء المعنى بسرعة، لأننا نخاف من اتساعه. نبحث عن التعريفات الجاهزة، لأنها تمنحنا استقرارا وهميا. لكن هذا الاستقرار يأتي على حساب شيء أساسي: القدرة على التفسير. التفسير ليس ترفًا فكريًا، بل هو حالة إنسانية. إنه الاعتراف بأن ما نراه ليس كل ما هو موجود، وأن ما نفهمه ليس نهاية الفهم. وهنا أقترب من أفق هانز جورج جادامير، حيث الفهم هو حوار مفتوح، وليس نتيجة مغلقة. لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماما: فنحن نعلن انتهاء الحوار من الكلمة الأولى. ولذلك فإن مقاومة اتهام الناس والتقليل منهم لا تعني الدفاع عن كل الأفكار، بل الدفاع عن حقهم في أن يفهموا قبل إدانتهم. ويعني إعادة النظر في الإمكانية، ليس كإمكانية نظرية، بل كقيمة إنسانية. كل إنسان، مهما بدا الأمر واضحا، يحمل في داخله شيئا لم يظهر بعد. وكل حكم نهائي هو – بطبيعته – سابق لأوانه. وفي النهاية فإن خطورة ربط ورقة اختزال الإنسان بصفة معينة لا تكمن في قسوته، بل في بساطته. لأنه يجعلنا نعتقد أننا نعرف، في حين أننا في الواقع نتوقف عن المعرفة. أنا لا أرى الناس كما هم، بل كما يمكن أن يكونوا. ولذلك أرفض الاسم عندما يتحول إلى نهاية، وكل نهاية مثل هذه هي بداية صراع قادم.[email protected]@A_AzizAlkhater




