المسرح القطري يخسر جمهوره – صحيفة الراية

اخبار قطر28 يونيو 2026آخر تحديث :
المسرح القطري يخسر جمهوره – صحيفة الراية

اخبار قطر اليوم – وطن نيوز

اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-28 00:00:00

بقلم: د. مرزوق بشير بن مرزوق – باحث وكاتب في الدراما والإعلام لماذا لم يعد المسرح القطري يتمتع بالحضور الجماهيري الذي عرفه في بداياته؟ سؤال يستحق التأمل، خاصة بعد مرور أكثر من خمسين عاما على انطلاقة الحركة المسرحية الرسمية في قطر. عندما ولدت الخطوات الأولى للمسرح في أواخر الخمسينيات، لم يكن يبحث عن الشهرة، ولم يكن يفكر في مهرجانات أو جوائز أو مشاركات أجنبية. وكانت رسالته واضحة وبسيطة: خدمة المجتمع ورفع وعيه والمساهمة في تغيير بعض المعتقدات والسلوكيات السائدة. وكانت العروض، رغم بساطتها الفنية، تنبع من حياة الناس اليومية وتتحدث بلغتهم، لذلك وجد المسرح مكانه الطبيعي بينهم. ومع انطلاق الحركة المسرحية الرسمية مطلع السبعينيات، وإنشاء المؤسسات الثقافية، وظهور الفرق المسرحية، ظل المسرح في سنواته الأولى وفيا لتلك الرسالة. ويمكن القول إن العقد الأول من المسرح الرسمي كان استمرارا لتلك الروح التي رأت في المسرح وسيلة للتعليم والتنوير وبناء الوعي، وليس ساحة للتنافس الفني. كان الكاتب يكتب وهو يشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه، وكان المخرج يبحث عن أفضل طريقة لإيصال فكرته، وكانت المجموعات ترى نجاحها الحقيقي في تفاعل الجمهور مع ما قدموه. لم يكن السؤال: كم عدد الجوائز التي حصلنا عليها؟ بل كان: ماذا أضفنا إلى مجتمعنا؟ واللافت أن هذه المرحلة سبقت وجود الأجهزة الرقابية بشكلها المؤسسي المعروف اليوم. إلا أن المسرح لم يخلو من القيم، بل مارس رقابة ذاتية واعية، نابعة من الشعور بالمسؤولية الوطنية والدينية والاجتماعية. لقد عرف الكاتب المسرحي حدود مجتمعه، وعرف كيف يناقش قضاياه بوعي واحترام، دون أن يفرض عليه طرف خارجي ما كتبه أو ما عرضه. لكن مع تطور المؤسسات الرسمية، وانتقال الرقابة إلى الهيئات الإدارية، تغيرت طبيعة العلاقة بين المسرح والهيئة المنظمة. وبدأت النصوص والعروض تخضع لإجراءات رقابية متعددة، لها منطقها التنظيمي، لكن تأثيرها يمتد أحيانا إلى تقليص مساحة المبادرة والإبداع. مع مرور الوقت، بدأ بعض الكتاب المسرحيين في الكتابة وهم يفكرون في ما ستوافق عليه الرقابة، أكثر من تفكيرهم في ما يحتاج المجتمع إلى مناقشته. ولعل أحد الأسباب الأساسية لعدم استقرار المسرح القطري وتطوره مع مرور الوقت هو غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. منذ البداية، ومع إنشاء المسرح الرسمي المدعوم من الدولة، وظهور فرق أهلية تلقت الدعم أيضاً، كانت هذه الفرق تدار من قبل جهات كان همها الأساسي القيام بالعمل اليومي، دون وضع خطط استراتيجية تتطلع إلى المستقبل البعيد. ولذلك، من هذه الزاوية، لا يوجد فرق كبير بين مسرح عمره سنة واحدة ومسرح عمره أكثر من خمسين سنة. على مدى نصف قرن، لم تضع منظمات المجتمع المدني لنفسها أهدافا أو خططا تنموية طويلة المدى، بل واصلت تحقيق أهدافها اليومية الصغيرة الواحدة تلو الأخرى. ورغم أن الدولة قدمت الدعم المالي لهذه الفرق، إلا أنها لم تسع إلى تنويع مصادر دخلها أو تسعى إلى الاستدامة المالية الخاصة بها. وعندما تراجع هذا الدعم في السنوات الأخيرة، وجدت إدارات المسرح نفسها في موقف انتظار، تنتظر الدعم الذي قد يأتي أو لا يأتي، بعد أن اعتادت الاعتماد عليه بشكل كامل دون بديل. لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الفرق وحدها. ويجب على الدولة أن تستمر في دعمها المادي والمعنوي للمسرح، لأنه ليس ترفاً ثقافياً يمكن التنازل عنه عند الحاجة، بل هو جزء أساسي من التنمية الثقافية والمجتمعية. المسرح أداة لبناء الوعي وصياغة الهوية، ودعمه استثمار في الإنسانية قبل أن يكون دعماً للنشاط الفني، كما أن استمرار الفرق في تطوير مصادر دخلها الخاصة لا يعني تخلي الدولة عن دورها، بل يعني شراكة حقيقية بين الدعم الحكومي والاستدامة الذاتية. وفي الوقت نفسه، بدأ المسرح يتحرك شيئًا فشيئًا نحو ما يمكن أن نطلق عليه «مسرح النخبة». لم يعد الجمهور الواسع هو الهدف الأول، بل أصبحت المهرجانات والجوائز والمشاركة الخارجية أولوية للعديد من الفرق الموسيقية. وأصبح مقياس النجاح هو عدد الجوائز التي حصل عليها العرض، وليس عدد المشاهدين الذين تأثروا به أو القضايا التي قدمها لهم. ولا شك أن المهرجانات والجوائز تمثل جانباً مهماً في تطور الحركة المسرحية، فهي تخلق المنافسة الفنية وتشجع على الابتكار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية. وعندما يصبح الفوز بجائزة هو الهدف الأساسي، تتراجع الرسالة الاجتماعية، وينأى المسرح بنفسه عن جمهوره الطبيعي. وهنا يكمن الجواب على سؤالنا الأول: لقد ابتعد المسرح جزئياً عن الناس، بعد أن كان نجاحه في الماضي يعتمد على قربه منهم. تقدم العديد من العروض اليوم لمدة ليلة أو ليلتين فقط، يحضرها المسرحيون أنفسهم وأصدقاؤهم وعائلاتهم، ثم تنتهي رحلة الأداء بانتهاء المهرجان أو المنافسة. وهكذا فقد المسرح أهم عنصر في بقائه: وهو التواصل المستمر مع جمهوره. المسرح لا يعيش بالجوائز وحدها، ولا بالمهرجانات وحدها. وتبقى الجائزة حدثا عابرا، لكن أثرها الحقيقي يبقى محفورا في وعي المجتمع وذاكرته. لا يتذكر التاريخ عدد الجوائز التي حصل عليها العمل المسرحي، بقدر ما يتذكر الأعمال التي غيرت الأفكار، وناقشت القضايا، وساهمت في بناء الإنسانية. ولذلك فإن ما يحتاجه المسرح اليوم ليس مزيداً من التعقيد، بل المزيد من القرب من المجتمع، إلى جانب رؤية استراتيجية واضحة تخطط لما بعد العام والعشرين عاماً، وليس فقط بعد العرض التالي. يعيد المسرح الاحترام للكاتب الذي يبدأ من هموم الناس، وللمخرج الذي يخاطب الجمهور قبل أن يخاطب لجنة التحكيم، وللفرقة التي تقيس نجاحها بامتلاء القاعة واستمرار تأثيرها، وليس بعدد الشهادات التي تعود بها من المهرجانات. وقد أثبتت التجربة أن المسرح القطري نجح في بداياته لأنه كان جزءاً من حياة المجتمع، وليس نشاطاً ثقافياً منعزلاً عنه. ولعل العودة إلى تلك الروح، بالأدوات والإمكانيات الحديثة، هي الخطوة الأولى لاستعادة مكانة المسرح كقوة ثقافية وتعليمية وفكرية، وليس مجرد منافس في سباق الجوائز.

اخبار قطر الان

المسرح القطري يخسر جمهوره – صحيفة الراية

اخبار قطر عاجل

اخبار قطر تويتر

اخبار اليوم قطر

#المسرح #القطري #يخسر #جمهوره #صحيفة #الراية

المصدر – https://www.raya.com