اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-05 02:21:00
ولم يخطر ببالي وأنا أقرأ بعض سيرته أن محمود درويش سيجرحني ويهزم إصراري على عدم الاستسلام لرائحة وطني. «في حضرة الغياب»، قرر درويش أن يفعلها.. حرمني النوم، واستشعر أنفي الرائحة القديمة، تأتي من هناك لا ليس من هناك.. إنه هنا، يقيم معي، يرفض أن يتركني. للمنفى رائحة مشتركة، وهي رائحة الشوق إلى شيء آخر.. رائحة تتذكر رائحة أخرى. رائحة عاطفية تحبس الأنفاس، تقودك مثل خريطة سياحية متكررة الاستخدام إلى رائحة المكان الأول. الرائحة ذكرى وغروب الشمس. والغروب هنا توبيخ الجمال للغريب. حول أنفي، بقيت الرائحة كما حدث لي بعد قراءة رواية باتريك سوسكيند «العطر قصة قاتل»، والتي خرجت منها أشم رائحة العطر، وهو ما لم يحدث في الفيلم المستوحى من الرواية، ولا المسلسل الذي تعرضه نتفليكس. تحتها ثمارها، وإلى الغابات ومساحاتها اللامتناهية، التي لا تستطيع عيناك أن تحدها، ولا يمكن أن تنتهي منها سرعة ركض قدميك، وإلى رائحة شجرة المانجو التي تسرق منك رائحة شجرة الجوافة، وإلى طعم السكر في قصب القصب الطازج الذي اقتلعته من أرضه منذ ثانيتين… إلى أمك توقظك قبل الفجر لتصلي فجرك، وتحمل حقيبتك وتذهب إلى مدرستك، وأنت تواجه شجرة التوت، مبتسمة لها. تنتظر أن يمدك بظله، وثمراته بحنان. في التوتة تكتشف أن عيناك ما زالتا تحملان قصص الليلة الماضية عن الجنيات والعفاريت. تتذكر قبل أن تنام أثناء عودتك من جلسة القصة أن الجنية التي وعدتك بأنها ستأتي إليك ليلاً، لم تأت، ولم تهرب من حراسها من أجلك. لم يستطع المنفى أن يسرق منك الليالي التي جلست فيها بين “الأصبع” و”قصة مدينتين”، وعبثت أناملك الصغيرة بالراديو، تقلب محطاته بحثًا عن البرنامج العام المذاع لتستمع إلى “لغتنا الجميلة”، ومسلسلات من تأليف يوسف عز الدين عيسى، و”لا تلوم الخريف” و”العسل المر”، وتنتظر “نادي السينما” على القناة الثانية مساء كل سبت، ودرية شرف الدين. تقديم فيلم هوليوود، وبرنامج «عالم الحيوان» على القناة الأولى بعد صلاة الجمعة، ثم لقاء الشيخ الشعراوي، ولا يفوتك «حديث الروح» في المساء. أعتقد أن حضرتها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق. كنت تحب الشيخ جاد الحق كثيرا ثم جاء بعده الشيخ محمد حسين. طنطاوي، لم تكن مرتاحًا لذلك. أنا لا أعرف لماذا. أعتقد أنك قلت لأنه أباح الربا في البنوك. لقد ضحكت على نفسك. وكبر الطفل وعلم أن أغلب البنوك تتعامل بالربا! لم يستطع المنفى أن يسرق من ذاكرتك وقوفك في طابور المدرسة، عندما كنت في السادسة من عمرك، تفتح إذاعة الطابور بآيات من القرآن الكريم، ثم حديث صباحي، وكأنك ورثت الإذاعة المدرسية عن أجدادك. هل هذا الفائض في الكلام يشير إلى أنك ستصبح كاتباً محترفاً؟ يوم واحد؟! ولم ينساك المنفى الأستاذ عبد المنعم مدير المدرسة، الذي تركت له رسالة تطلب منه إعارة لك كتب القصص من مكتبة المدرسة خلال الإجازة الصيفية، حيث تغلق المدرسة الابتدائية أبوابها أمام طلابها، ولا تفتحها إلا خلال العام الدراسي. وتتذكر أيضًا تشجيعه لك، وحرصه على الاستماع إلى حديثك الصباحي، وحنانه تجاهك. لقد غضبت عندما علمت أنه تزوج بزوجة ثانية، ولم تسامحيه على ذلك. وعندما كبرت تمنيت أن تفعل نفس الشيء للمرة الثانية والثالثة. ورابعاً، ما مدى ضيق نظرتنا للكبار في طفولتنا! قرأت منشوراً على الفيسبوك لأحد أهل قريتكم يقول فيه أن الشيخ سيد البخنيسي قد مات… وكان يُؤتى به إلى الأعراس والجنازات لتلاوة القرآن. صوته العذب وتلاوته التي تذكرك بالشيخ عبد الباسط لم تغير الحال، بل صوته هو الذي تغير. وقراءة القرآن في العزاء تختلف عن قراءته في الأعراس، مع أن النص واحد. وثابت.. سبحان ربي العظيم.. تقابل وجوه الطلاب وهم يغادرون المدارس في بريطانيا، وتتذكر الوجوه التي أفلتت من ذاكرتك. وهم الآن حاضرون لمن كانوا معك في مدرستك بمصر.. وصحيح أن هؤلاء الأطفال لم تذوبهم شمس الصعيد، ولهم عيون زرقاء وخضراء. كما يوجد لدينا مثل هذه الألوان في جنوب مصر. أنت تضحك، لا تصدقني. خط الصعيد كان له عيون زرقاء مثل لون البحر الأحمر في الغردقة، والذي سأغرق فيه يومًا ما. كانت هذه الوجوه. المرأة المتعبة التي تبحث عن المعرفة وسط عالم مليء بالتفاهات وتحلم لأبنائها بأدوار البطولة في حكايتي أبو زيد الهلالي والزير سالم، تصر على مواصلة طريقها، لكن تتساقط منها معظم أزهارها. لقد دخلت الفتاة سن الزواج، تنتظر أن يطرق الابن الفاضل بابهم، ويكتفون بالتعليم حتى الصف العاشر! وقليل منهم أكمل طريقه، إذ كان هناك أب يؤمن بالعلم، وأغلبهم اختار طريق البيت – ولله الحمد. يعتقد الجميع الآن أن المعرفة نور – وهؤلاء الأطفال يعبرون شوارع لندن معك. تتذكر أولئك الذين تركتهم هناك. كانوا يعبرون معك إلى المدرسة. القصص تتقافز… الذكريات تتحول إلى طيور لها أجنحة، لكن مساحة الكلمات محدودة. لا تسجن الطيور ومساعدتها على الطيران. لعلهم يكونون عونا لك ويعوضونك عن ليالي الغربة. الصحفي المصري @samykamalden




