اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-10 00:00:00
في ذلك الصباح الدافئ في العاصمة الفرنسية باريس، صعدت إلى الطابق السادس من مبنى اليونسكو – منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلم – حيث كان مكتب الأمين العام الراحل أحمد مختار أمبو (1921-2024). وكان ذلك عام 1986 بعد أن اشتعلت الأرض في كل الاتجاهات وتحت أقدام الأمين العام لليونسكو بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية عام 1984، وتبعتها المملكة المتحدة – بريطانيا – عام 1985؛ واحتجاجاً على ما اعتبروه “تسييس المنظمة” و”العداء للقيم الغربية”، شكل هذا الانسحاب ضربة قوية لأمبو واليونسكو مالياً ومعنوياً، إذ كانت أميركا تمول نحو 25% من ميزانية المنظمة. واعتبرت واشنطن ولندن أن أحمد مختار أمبو كان يميل إلى أفكار العالم الثالث والحياد أو حتى إلى اليسار، وأن مشروعه ودعوته إلى “نظام إعلامي عالمي جديد” يضمن تدفقا متوازنا للمعلومات وتعدد الأصوات والثقافات في وسائل الإعلام الدولية يشكل تهديدا. من أجل حرية الصحافة، تهدد الهيمنة الغربية، وتقييد حرية التعبير! كان للكاتب الراحل البروفيسور الطيب صالح الشرف الأكبر في ترتيب هذه المقابلة الصحفية التي أجريتها مع الأمين العام لليونسكو، ونشرت في صحيفتي – الراية بالعربية وجلف تايمز بالإنجليزية – كنت أحمل الكثير من الأسئلة الحارقة في وجه الرجل الذي كنت أعتبره “شهيد الديمقراطية الإعلامية”، والذي سعى جاهدا لتحقيق قدر من العدالة في التدفق الإعلامي بين الغرب الاستبدادي المهيمن والعالم الثالث. ودول الجنوب المستقبلة للتدفق الإعلامي الذي يفتقر إلى النزاهة الأخلاقية ويسعى إلى الهيمنة والسيطرة تحت ادعاءات حرية التعبير وحرية الصحافة، وهي دعوة محقة يراد منها كذبا إحكام السيطرة على التدفق الإعلامي بين الغرب المهيمن والجنوب المستقبل في معادلة غير متوازنة بين عوالم متباينة. ويعتبر الرجل القادم من قلب القارة الأفريقية، والمولود في داكار العاصمة السنغالية عام 1921، وعاش 103 أعوام، وتوفي في 24 سبتمبر 2024، أول أفريقي يرأس منظمة تابعة للأمم المتحدة أراد عالما إعلاميا أكثر عدلا وتنوعا، بينما رأى الغرب -واشنطن ولندن- في مشروعه تهديدا لحرية الإعلام وتمس مصالحه الاستراتيجية، وبين هذين الموقفين نشأ صراع رمزي بين العدالة في تدفق المعلومات مقابل حرية الإعلام دون قيود. إن الخلل في وسائل الإعلام الدولية يعني التدفق غير العادل للأخبار والمعلومات في العالم، أي أن بعض الدول تنتج المعلومات وتنشرها، بينما لا خيار أمام معظم الدول الأخرى سوى تلقيها واستهلاكها، أي أن العالم يسمع فقط من طرف واحد، من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى بقية العالم. وتتجلى مظاهر هذا الخلل في هيمنة وكالات الأنباء الغربية حتى الآن على أكثر من 80% من الأخبار العالمية، حيث تأتي من أربع وكالات غربية رئيسية: رويترز (بريطانيا)، وكالة أسوشيتد برس (أمريكا)، وكالة فرانس برس (فرنسا)، ويونايتد برس إنترناشيونال (أمريكا). تختار هذه الوكالات الأخبار وتحدد الزاوية التي يتم من خلالها سرد القصة. على سبيل المثال، غالباً ما تُروى الأخبار عن أفريقيا من منظور (الأزمات، المجاعات، الانقلابات)، وليس من منظور (التقدم، الثقافة، الابتكار)، وتعكس العديد من وسائل الإعلام الغربية صورة سلبية أو نمطية عن شعوب الجنوب. العربي إرهابي متخلف، والإفريقي فقير وجائع، والمسلم متطرف. إن هذه الصور ليست بريئة، بل إنها تؤثر على السياسات والاستثمارات الدولية، بل وحتى على احترام الناس لذاتهم. وكان أحمد مختار أمبو في صلب ما قصده عندما تحدث عن الخلل في الساحة الإعلامية الدولية، وهو أن تدفق الأخبار والمعلومات في العالم غير عادل، أي أن بعض الدول تنتج المعلومات وتنشرها، في حين أن معظم الدول الأخرى ليس لديها سوى القدرة على تلقيها واستهلاكها، أي أن العالم يسمع اتجاه واحد فقط من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى بقية العالم. ومن مظاهر هذا الخلل الأخرى هيمنة وكالات الأنباء وضعف البنية الإعلامية في دول الجنوب، حيث تعتمد معظم الدول النامية (ولا تزال في بعض الحالات) على وسائل الإعلام الغربية كمصدر رئيسي للمعلومات، وهذا يعني أن روايتها الخاصة لا تصل إلى العالم وأن صورتها مستمدة من الخارج، وليس من الداخل، بالإضافة إلى أن الدول الغربية تمتلك التكنولوجيا التي تنقل بها المعلومات والأقمار الصناعية ومحطات البث، وشبكات الإنترنت، بينما تستورد الدول الفقيرة التكنولوجيا وتدفع ثمن استخدامها، مما يجعلها تابعة وليست مستقلة. ورأى أحمد مختار أمبو أن هذا الخلل ليس إعلاميا فحسب، بل ثقافيا وإنسانيا أيضا، ولذلك دعا إلى “نظام إعلامي عالمي جديد” يضمن توزيعا أكثر عدالة للمعلومات، ويسمح للدول النامية بامتلاك أدواتها الإعلامية وبناء مؤسساتها الوطنية. وأشرف أمبو على ما سُميت لاحقاً في وثائق اليونسكو بـ”تقرير ماكبرايد”، بعنوان “أصوات متعددة، عالم واحد”، ودعا إلى إنشاء “شبكة إعلامية عالمية بين دول الجنوب” لتبادل الأخبار من وجهة نظرها، وليس من وجهة نظر الغرب. يقع التقرير في 637 صفحة. وودعني الأمين العام الراحل لليونسكو بنفس البهجة التي استقبلني بها، ونقل تحياته إلى كل الناس في قطر والخليج والعالم العربي. رحم الله “شهيد الديمقراطية الإعلامية” بقدر ما قدم وبذل من أجل إعلام أكثر صدقاً وشفافية وعدالة.



