اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-23 17:30:00
«اختبار» شمال الليطاني لم يبدأ من قاعات الاجتماعات ولا من التصريحات السياسية، بل من السماء. تحذيرات إخلاء، ثم ضربات على بلدات مأهولة بالسكان، في وقت اتضح أن وتيرة الاستهداف لم تعد تقتصر على خط التماس الجنوبي، بل تتقدم إلى ما بعد النهر، وكأن الرسالة تقول إن التحرك من جنوب الليطاني إلى شماله لن يكون مساراً إدارياً داخلياً، بل ساحة اشتباكات مفتوحة على ظروف الخارج وحسابات الميدان. اللافت أن التصعيد لم يقتصر على الضغط المباشر على القرى الجنوبية، بل امتد إلى «العصب» الذي تحاول إسرائيل تصويره على أنه طريق تهريب وتسليح: أربعة معابر على الحدود السورية اللبنانية في منطقة الهرمل، بحسب إعلان الجيش الإسرائيلي، في خطوة تخرج الحدث من فئة «الجنوب» وحدها إلى فئة «الخريطة» الأوسع: الجنوب والحدود الشرقية وخطوط الإمداد، تحت عنوان واحد. في هذا الوقت بالذات، يتقدم تقويم سياسي لا يقل حساسية: زيارة قائد الجيش الجنرال رودولف هيكل إلى واشنطن بين الثالث والخامس من فبراير/شباط، قبل أسابيع قليلة من مؤتمر باريس المخصص لدعم الجيش في الخامس من مارس/آذار. وبين التاريخين يبدو أن المطلوب من لبنان لم يعد مجرد “إثبات النية”، بل توفير مسار يمكن إصلاحه، بينما تحاول إسرائيل تحويل كل خطوة إلى اختبار تحت النار، وكل جدول زمني إلى مادة للابتزاز. “شمال الليطاني” أداة ضغط. وتكمن خطورة المشهد في أنه يقدم نموذجا عمليا للطريقة التي ستدير بها إسرائيل المرحلة المقبلة، كما السابقة، بالقصف متى شاءت وكيفما شاءت دون رادع، ما دامت روايتها متماسكة، وعنوانها: “البنية التحتية العسكرية ومحاولة ترميمها”. عندما تقصف إسرائيل بلدات مثل جرغو وقناريت والكفور وأنصار والخريب، فهي لا تستهدف جغرافياً فحسب، بل تقول بوضوح إن «المرحلة الثانية» تعني اختلافاً في قواعد الاشتباك. وفي وقت تشير التقارير إلى أن إسرائيل كثفت خلال الأسبوعين الأخيرين استهدافها لمناطق شمال الليطاني، بمعدل مرتين على الأقل أسبوعيا، جاء رد الرئاسة والحكومة بوصف الهجمات بالتصعيد الخطير الذي يمس المدنيين بشكل مباشر، ومحاولة تفعيل الرد الميداني والإغاثي. لكن المعضلة هي أن إسرائيل لا تختبر «اللغة» اللبنانية بقدر ما تختبر «القدرة»: قدرة الجيش على تثبيت الانتشار التدريجي، وقدرة الدولة على حماية المسار من التحول إلى ساحة تحركات. ومن هنا يصبح إنذار الإخلاء نفسه جزءاً من إدارة المعركة. وعندما تستبق إسرائيل القصف بتحذير، فهذا يعني أن الهدف ليس عسكريا، بل أنها تريد خلق ضغط نفسي واجتماعي على البيئة المحلية، ووضع الجيش في زاوية الرجعية، وتقديم «برهان» ملفق للعالم الخارجي على أن أي تحرك شمال الليطاني سيبقى هشا ما لم يتم صياغته وفق ظروف أمنية أقسى، وربما في إطار تفاوضي جديد. ومن الجنوب إلى الهرمل. لا يبدو التصعيد العسكري شمال الليطاني معزولاً. وفي اليوم نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه ضرب أربعة معابر على طول الحدود السورية اللبنانية، متهماً حزب الله باستخدامها لتهريب الأسلحة في منطقة الهرمل. وهنا تتضح فكرة «الضغط المشترك»: نقل النار من خط المواجهة إلى «الهوامش» التي تستخدم عادة في بازار الشروط والضمانات، أي الحدود والمعابر والتهريب، وكل ما يمكن أن يتحول إلى حالة سياسية تحت الملابس الأمنية. هذا الارتباط يضع خطة الدولة في زاوية أضيق: أي حديث عن «حصرية السلاح» شمال الليطاني سينجر تلقائياً إلى مسألة المعابر والحدود الشرقية. وكأن الرسالة هي: السيطرة في الجنوب ليست كافية، والانتشار شمال الليطاني ليس كافياً، إلا إذا اكتمل المشهد بإطار سيطرة أوسع يمتد إلى ما تعتبره إسرائيل «شرايين الإمداد». ثم تأتي طبقة ثالثة تتعلق بـ«قواعد اللعبة» نفسها، في ظل الغموض الذي يحيط بمصير (الآلية) واحتمالات تعديل قواعد التنسيق أو التوجه إلى صيغ أمنية جديدة. ومن الناحية السياسية، لا يمكن فصل ذلك عن المناخ الداخلي القلق. إن انتقال الرئيس نبيه بري إلى بعبدا، وما يتردد عن قراءات لمرحلة إسرائيلية جديدة، وما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن عدم اهتمام إسرائيل بسحب قواتها نهائياً من لبنان، كلها مؤشرات على أن الحديث لم يعد يقتصر على «مرحلة ثانية» فنية، بل أصبح نقاشاً حول توجه إسرائيل إلى ترسيخ المكاسب واختلاق الذرائع لإطالة أمد الضغط. الاستنتاج اليوم ليس أن إسرائيل «تصعد» فحسب، بل إنها تجرب قالباً جديداً لإدارة المرحلة: ضربات شمال الليطاني، وتحذيرات قبل القصف، وتوسيع الساحة إلى معابر الهرمل، بهدف واحد: جعل انتقال الدولة إلى المرحلة الثانية انتقالاً مكلفاً، ومفتوحاً لإعادة تحديد الشروط بشكل دائم. الفارق بين نجاح لبنان أو فشله في الأسابيع المقبلة ليس في قوة الخطاب، بل في قدرة الدولة على إرساء خطوة عملية قابلة للقياس، ومنع التفاوض من التحول إلى مسار أحادي تعاد صياغته كلما اقترب لبنان من «سقف» جديد.


