اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-22 11:52:00
كتب العميد المتقاعد الدكتور جوزيف عبيد: تتداول وسائل الإعلام ما قيل إنها “الصيغة النهائية” للاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والذي يتضمن وقف إطلاق النار وهدنة واسعة على مختلف المستويات. لكن خلف اللغة الدبلوماسية الهادئة، تطرح أسئلة كبيرة تتعلق بما كتب، والأهم بما لم يكتب، خاصة أن البنود المطروحة تحمل عموميات كثيرة تفتح الباب واسعا للتأويل السياسي والاستراتيجي. وبحسب الصيغة المتداولة يتضمن الاتفاق ما يلي: 1) وقف إطلاق النار الشامل والفوري وغير المشروط على كافة الجبهات البرية والبحرية والجوية. 2) التزام الطرفين بعدم استهداف أي منشآت عسكرية أو مدنية أو اقتصادية تابعة للطرف الآخر. 3) وقف جميع العمليات العسكرية. والهجمات السيبرانية والحرب الإعلامية الملتهبة. 4) احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. 5) ضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان. 6) تشكيل لجنة مشتركة لمراقبة تنفيذ الاتفاق وحل الخلافات. 7) البدء بالمفاوضات خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام حول القضايا العالقة. 8) رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران تدريجياً مقابل التزام إيران ببنود الاتفاق. 9) التأكيد على أن الاتفاقية تأتي في إطار احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ويبدو ظاهرياً أن الأحكام شاملة، وكأن المنطقة تتجه نحو تسوية واسعة. لكن عند التدقيق في التفاصيل، يبدو أن معظم البنود صيغت بطريقة فضفاضة وغير محددة، مما يسمح لكل طرف بقراءتها وفقا لمصالحه السياسية. فالفقرة الأولى، على سبيل المثال، تتحدث عن «كل الجبهات» دون تسمية أي جبهة. ولا يوجد ذكر للبنان أو غزة أو العراق أو اليمن. وهذا الغموض ليس تفصيلاً بسيطاً، لأن عبارة «كل الجبهات» قد تفسر بطريقتين مختلفتين تماماً. وهناك من سيعتبر أن المقصود كل الساحات المرتبطة بالمواجهة الأميركية – الإيرانية، وبالتالي فإن لبنان يدخل ضمناً ضمن محور النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن في المقابل، يمكن أن يقول آخرون إن الحديث يقتصر على الجبهات المباشرة بين واشنطن وطهران، براً وبحراً وجواً، أي ضمن الإطار العسكري المرتبط بإيران نفسها، وليس بالساحات الإقليمية المتداخلة معها. وينطبق الشيء نفسه على هذا البند. والثاني، والذي ينص على “التزام الطرفين بعدم استهداف أي منشآت عسكرية أو مدنية أو اقتصادية تابعة للطرف الآخر”. وهنا أيضًا تكون الكلمات واضحة ظاهريًا ولكنها تخضع للتفسير في الممارسة العملية. ويتحدث النص عن «الطرفين» فقط، أي الولايات المتحدة وإيران، دون أي إشارة إلى الحلفاء أو القوى المرتبطة بهما في المنطقة. لذلك، قد يعني ذلك أن الاتفاق لا يحمي سوى المنشآت الأميركية والإيرانية المباشرة، في حين تبقى الساحات الأخرى خارج الضمانات الفعلية. وهذا يطرح سؤالاً حساساً جداً: إذا تعرضت ساحة مثل لبنان أو أي جهة مرتبطة بإيران لضربات أو تصعيد، فهل يعتبر ذلك خرقاً للاتفاق أم لا؟ الصياغة الحالية لا تعطي إجابة حاسمة، وهنا بالتحديد تكمن خطورة اللغة الدبلوماسية عندما تستخدم بطريقة مرنة تسمح بالتهرب من الالتزامات الواضحة. وحتى البند الثالث يتعلق بوقف العمليات العسكرية والهجمات السيبرانية والحرب. ولم تحدد وسائل الإعلام ما إذا كان يشمل القوات المتحالفة أم المنظمات غير الرسمية أم المؤسسات الرسمية في البلدين فقط. أما البند الرابع الذي يتحدث عن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فهو من أكثر البنود المشكوك فيها، لأن تطبيقه الحقيقي نظريا يعني إعادة النظر في كافة أشكال النفوذ الإقليمي غير المباشر، سواء السياسي أو العسكري أو الأمني، في أكثر من دولة عربية. وبالتالي، فإن غياب أي ذكر مباشر للبنان ليس تفصيلاً عابراً. بل قد يكون مؤشراً على أحد احتمالين: إما أن يندرج لبنان ضمناً في هدنة إقليمية واسعة من دون الحاجة إلى تسميتها، أو أن لبنان ليس معنياً بالاتفاق بشكل مباشر، والحديث عن «كل الجبهات» ليس إلا تعبيراً سياسياً عاماً يحمل أكثر مما يوضح. وإذا صح الاحتمال الثاني، فهذا يعني أننا أمام لعب دقيق بالألفاظ، إذ يبدو الاتفاق شاملاً إعلامياً، لكنه عملياً يقتصر على حماية المصالح المباشرة للطرفين فقط. أما الأخطر فهو احتمال أن تكون إيران قد بدأت فعلياً بفصل أمنها القومي المباشر عن ملفات بعض أذرعها الإقليمية، في إطار مقاربة جديدة تقوم على حماية الداخل الإيراني أولاً، ولو على حساب تقليص التزاماتها تجاه بعض الساحات المرتبطة بها. وإذا صح هذا فإن المنطقة ربما تواجه مرحلة جديدة مختلفة تماما، حيث ستعاد صياغة التحالفات وحدود النفوذ، في حين تظل دول مثل لبنان معلقة بين نصوص غامضة وتفسيرات سياسية وانتظار مفتوح على كل الاحتمالات.


