اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-08 07:52:00
منذ بدء وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، لم يكن الهدوء أكثر من هش، محاطًا بالتهديدات المتبادلة. ثم جاء تفجير الضاحية الجنوبية في آذار/مارس الماضي 2025، ليكسر رمزية ذلك الوقف للمرة الأولى، وسط جدل متصاعد حول المسؤولية والذرائع. وعلى مدى الأشهر التالية، تصاعدت وتيرة إراقة الدماء ببطء، حيث وثقت مصادر دولية أكثر من مئتي قتيل وخمسمائة جريح نتيجة آلاف الانتهاكات التي لم تتوقف. وحاولت واشنطن في نيسان/أبريل إعادة صياغة الأزمة من خلال وقف جديد لإطلاق النار، وصف بأنه محاولة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة لمسار تفاوضي برعاية أميركية. لكن وقف إطلاق النار الهش هذا اصطدم على الفور بجدار المواقف المتباينة، ليدخل لبنان في متاهة جديدة من المفاوضات تحت النار. • الجولة الرابعة: واشنطن بين ضغط الساعة وثقل المواقف في الثاني والثالث من حزيران/يونيو الجاري، انطلقت في واشنطن الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين المسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين. ذهب كل طرف إلى الطاولة بسقف مختلف جذريا. ودخل لبنان المفاوضات بمبادئ واضحة، من بينها وقف إطلاق النار، ووقف الهجمات، والانسحاب الإسرائيلي من النقاط المحتلة في الجنوب، وعودة النازحين إلى مدنهم وقراهم. في المقابل، استبقت إسرائيل الجولة بتصعيد ميداني كبير في الجنوب، وجلست إلى الطاولة تحاول فرض أجندة تنطلق من قضية نزع السلاح وليس من وقف إطلاق النار، مستخدمة الضغط الميداني كورقة تفاوض وليس كوسيلة للردع الدفاعي. وامتدت الجلسات التي استمرت يومين لنحو تسع ساعات متواصلة، في أجواء وصفتها مصادر مطلعة بأنها معقدة للغاية، حيث لم يتم تحقيق أي خرق جوهري في المواقف خلال معظم ساعات التفاوض. • الاتفاق: إنجاز غير مكتمل أم تسوية مفخخة؟ وفي الرابع من الشهر الجاري أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. لكن النظر في تفاصيل هذا الاتفاق يكشف عن طبيعته الإشكالية العميقة. فهو يتطلب وقفاً كاملاً لإطلاق النار من جانب حزب الله، وإجلاء جميع عناصره من منطقة جنوب نهر الليطاني، فضلاً عن إنشاء مناطق تجريبية يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، مع استبعاد الجهات المسلحة غير الحكومية منها بشكل كامل. الجزء الأكثر إشكالية في الاتفاق هو البند المتعلق بالحق في “الدفاع عن النفس”، والذي يترك لإسرائيل سلطة اتخاذ ما تصفه بالإجراءات العسكرية اللازمة في أي وقت وضد أي هجوم تراه وشيكًا أو مستمرًا، دون أن يمنع وقف الأعمال العدائية ممارسة هذا الحق. وهذا ما يصفه المنتقدون بـ«الثغرة الكارثية» التي تمنح إسرائيل مفتاحاً مفتوحاً للالتفاف على الاتفاق متى شاءت وتحت أي ذريعة. القراءة الأولى: الرفض ذريعة للاستنزاف والتوسع. ويرى فريق من المحللين أن إغراق المسودات بالشروط والتحفظات وفر لتل أبيب الغطاء السياسي والمؤقت اللازم لمواصلة حملتها التدميرية. وطالما ظلت الفجوة التفاوضية قائمة، واصلت إسرائيل إبادة القرى والبلدات وفرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها، معلنة صراحة عزمها على فرض واقع أمني جديد جنوب الليطاني يُخضع المنطقة لسيطرتها. وفي هذا السياق، يتم تقديم ربط الملفات وتعليق قبول العرض الدولي كمغامرة إنسانية وعمرانية باهظة التكلفة، خاصة وأن الوقت الضائع في التفاوض يتحول إلى حقائق على الأرض تثقل كاهل أي مفاوض مستقبلي، وتجعل العودة إلى نقطة الصفر مستحيلة. • القراءة ثانياً: الدفاع عن الخطوط الحمراء السيادية في المقابل، يرى الفريق الثاني أن الشروط التي تضمنها الاتفاق لا تمثل حلاً متوازناً، بل تنطوي على معادلة غير عادلة تتطلب من أحد الطرفين تقديم تنازلات فورية وملموسة، مقابل ضمانات أميركية هشة جداً لا تلزم الطرف الآخر بأي شيء. إن اشتراط إخلاء عناصر الحزب من جنوب الليطاني مع احتفاظ إسرائيل بحق التدخل عسكريا متى أرادت، يعني عمليا أن وقف إطلاق النار ليس معادلة موزونة، بل إملاء من طرف يستمد قوته من الضغط الميداني الأقصى. ويعتمد أصحاب هذه الرؤية على ما كشفه المسؤولون الأميركيون أنفسهم بأنهم لا يعتقدون أن نتنياهو سيوافق على وقف شامل لإطلاق النار، مما يجعل قبول الشروط المطروحة استسلاما وليس تسوية، ويفقد الاتفاق شرطه الأساسي وهو المعاملة بالمثل. ديناميات معقدة: هل واشنطن وسيط أم طرف؟ يضيف البعد الأمريكي الداخلي طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد. فمن ناحية، تقدم واشنطن نفسها كوسيط وضامن للاتفاق. لكن في المقابل، لا يتردد مسؤولوها في وصف حزب الله بأنه «عدو لبنان» قبل أن يكون عدواً لإسرائيل أو أميركا، وهو وصف يكشف انحيازاً مسبقاً يضعف مصداقية الوسيط في نظر طرف رئيسي في الصراع. في الوقت نفسه، تعلن واشنطن التزامها بدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، وهو مسار لا يتعارض رسمياً مع السيادة اللبنانية، لكنه يعني ضمناً إعادة رسم خريطة التوازنات الداخلية تحت غطاء دعم مؤسسات الدولة، وهو ما يحول الملف الأمني إلى ورقة ضغط سياسي داخلي بامتياز. استحقاق 22 حزيران والاختبار الحقيقي: اتفق الجانبان على استئناف المفاوضات على المسارات السياسية والأمنية خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي. اتفاق. إلا أن هذا التاريخ يحمل في طياته مخاطر بالغة الخطورة. ولا يزال ملفا سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة معلقين، وكلاهما قادر على نسف أي تسوية إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية للتسوية من الطرفين، وهي إرادة لا تلوح في الأفق حتى الآن. المشهد اللبناني برمته يكشف ثلاث حقائق ثابتة لا يمكن التملص منها: – أولا: الاتفاق المعلن في 4 حزيران ليس سلاما، بل وقف إطلاق نار مشروط ببعض الشروط. اختلاف الشروط هنا جوهري وليس شكلياً، طالما احتفظت إسرائيل بذريعة الدفاع عن النفس للالتفاف على الاتفاق، وطالما بقي الوفاء بالشروط المطلوبة محل جدل، فإن النار ستبقى جمراً تحت الرماد. – ثانياً: معادلة التفاوض تحت الضغط الميداني لا تنتج اتفاقات راسخة، بل تنتج هدنات هشة تغري الطرف الأقوى على الأرض بالمزيد من الضغوط لانتزاع المزيد من التنازلات، في دوامة لا تنتهي. – ثالثاً: الفجوة بين ما يتم التوقيع عليه في قاعات واشنطن وما يجري على الأرض في الجنوب لا تزال واسعة. بين الدبلوماسية التي تصاغ شروطها بعيداً عن الميدان والحرب التي يتم خوضها بالنيران فوق رؤوسهم، يظل المدنيون اللبنانيون معلقين في المنطقة الرمادية بين الاتفاق والتنفيذ، وهي المنطقة التي أصبحت في كثير من الأحيان أكثر فتكاً من الحرب المباشرة.


