لبنان – استمع إلى أنين الجنوب.. الكلام الكبير إهانة للألم

اخبار لبنان16 يونيو 2026آخر تحديث :
لبنان – استمع إلى أنين الجنوب.. الكلام الكبير إهانة للألم

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-16 16:30:00

من يملك اليوم ترف الكلام؟ من يجرؤ على الصعود إلى المنابر وإلقاء الشعارات الباردة في وجوهنا والجنوب يتجرد من عظامه وينزف شعباً وتاريخاً وعصوراً؟ عندما تطأ قدماك الجنوب هذه الأيام، تسقط كل الحسابات، وتختفي الخلافات خجلا. ويكفيك أن تنظر إلى التلال لتدرك أن المعركة هنا لم تكن مجرد جبهات وتوازنات، بل هي محاولة لاقتلاع الوجود من شرايينه. إن العدو الذي نواجهه لم يكتف بهدم السقوف فوق رؤوس أصحابها، بل مارس جشعا يدمر الإنسانية. سرق أشجار الزيتون القديمة التي شهدت طفولة أجدادنا، وقام بتفكيك حديد الأنقاض الذي كان يوما ما العمود الفقري للبيوت لبيعه والتربح منه، في محاولة بائسة لتفكيك هويتنا قطعة قطعة، وتحويل ذكرياتنا إلى غنائم فارغة. ما رأيناه لا يمكن أن تنساه العين، ولا يستطيع القلب أن يتحمل ثقله دون أن ينكسر. ورأينا النبطية.. مدينتنا التراثية العريقة، “أم العلماء والمفكرين والأدباء”، التي طالما صدرت الفكر والنور إلى العالم، فأصبحت حجارة منثورة على الأرض. حي السراي التاريخي، الشاهد الحي على هويتنا وتراثنا، بذات الحجر النبطي القديم الذي حمل أنفاس وبصمات أجدادنا، دمر بالكامل. سقط الحجر التاريخي الذي صمد لعقود، ومحيت الزوايا التي كانت تعج بنقاشات الأدباء وأشعار المفكرين، لتتحول المدينة الثقافية إلى ركام تشكو غدر الزمن وظلم الحرب. دعونا نبكي، دعونا نعيش إنسانيتنا المذبوحة من الوريد إلى الوريد. الإنسان ليس قالبًا حديديًا يُصب فيه الموقف السياسي. الإنسان هو «رائحة العائلة» العالقة بين ثنايا الحجر الصلب، وضحكات الأطفال التي يتردد صداها تحت الركام، وحكايات الأجداد في الأمسيات الدافئة. وعندما يأتي من يهدم هذا التاريخ ويهدم البيت، فمن حق الإنسان البسيط والبديهي والفطري أن يصرخ الإنسان من الألم وينهار بالبكاء دون أن يُطلب منه تجميل المأساة، أو قولبة حزنه بما يتناسب مع حجم الشاشات والبيانات. ما الألم الذي يمكن أن يتحمله القلب؟ لقد تجاوزت المأساة حدود الوصف الصحفي، والألم ينتاب نفوسنا لأن الجرح ما زال مفتوحا على المجهول، بلا سقف ولا أفق. أحبابنا، أحبابنا الذين انتفضوا، لا يزال بعضهم في العراء… تحت أنقاض البيوت المهدمة في القرى، أو بين ثنايا حي مدمر. وفي ذروة تلك الدهشة، وقفت سيدتان على كومة من الركام في النبطية، تحملان رضيعاً متأثراً ببرد المأساة، وتنتظران بقلوب محترقة نبأ العثور على جثمان شهيدتهما مدفوناً تحت أطنان من الإسمنت. ما هو الشعار الذي يمكن أن يواسي هاتين المرأتين؟ ما هي الخطبة المعصومة التي لديها القدرة على تفسير هذا الانتظار المرير للرضيع الذي لن يرى والده أبدًا؟ أمام مشهد الشهداء الذين ينتظرون الدفن في العراء، وبكاء الأحياء الذين يذوقون سكرات الموت مائة مرة في اليوم وهم يتأملون الدمار الذي يلحق بحياتهم المتناثرة، تصبح الكلمات الكبيرة إهانة للألم، ويصبح الضجيج السياسي تدنيساً للمقدسات. إن احترام هذه الدماء، واحترام معاناة العائلات النازحة، يتطلب منا أولاً وقبل كل شيء أن ننحني إجلالاً لإنسانيتهم ​​المهدورة، وأن نصمت حتى تتكلم دموعهم. لقد محوا المعالم، نعم! لقد غيروا جغرافية الأرض وعاثوا فيها فسادا. من عيتا وعيترون ورامية إلى مارون ويارون وبنت جبيل والخيام. وجرحوا خربة سلم، حدثا، الظاهرة، يارين، الطيري، حنين، الناقورة، طير حرف، عديسة، كفر كلا، علما الشعب، عيناتا، ومجدل سلم، وصولا إلى قلب النبطية النابض. قائمة بطول صبرنا، تشمل كل نبض في عروق هذا الجنوب المعذب. لكن، دعوا السياسة جانباً وتأملوا معي قليلاً: البيوت التي هُدمت كانت عمراً تراكم بعرق المزارعين ونضال الأمهات، وحي السراي مثلاً لم يكن مجرد جدران، بل كان هويتنا الثقافية، والأشجار التي اقتلعت سقيتها دموع الصبر وحب الأرض. إذا سرقوا الحديد واستفادوا من الركام فهل يستطيعون سرقة الهوية المنقوشة على صدورهم؟ البكاء لم يكن أبداً استسلاماً، ولم يكن ضعفاً؛ لقد كان أقصى درجات التمسك بالحياة والحب والحقيقة. واليوم… “انتهت الحرب”. نعم قد تبدو الكلمة بسيطة…ولكن خلفها ألم تعجز الكلمات عن وصفه. تعبنا… وخسرنا… وبكينا… ولكننا لم ننكسر. نحن أناس تعودنا على السقوط، لكن الأهم هو أننا نعرف كيف ننهض ونقف من جديد. نحن عائدون… ونحن لا نعود فقط إلى ما كنا عليه، بل نعود أقوى وأكثر وعياً وأجمل. نعود نعم؛ لأن من يصمد في وجه الإبادة هو وحده من يستحق النصر. قد يبدو الطريق اليوم طويلاً وشاقاً، لكننا أهل للمسؤولية، وسنعيد بناء بلدنا ليكون أجمل مما كان عليه بمئة مرة. وطالما هناك عيون تذرف دموع الشوق، وقلب ينبض برائحة الأهل، وأذرع ترفع الحجر من جديد، ستستمر الحكاية، وسيبقى الجنوب لشعبه مهما طال الزمن.

اخبار اليوم لبنان

استمع إلى أنين الجنوب.. الكلام الكبير إهانة للألم

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#استمع #إلى #أنين #الجنوب. #الكلام #الكبير #إهانة #للألم

المصدر – لبنان ٢٤