اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-11 13:00:00
ومرت موافقة مجلس النواب على تمديد ولايته لسنتين إضافيتين بهدوء ملحوظ، على عكس الانطباع الذي ساد منذ نهاية العام الماضي، عندما بدأ الحديث يتصاعد عن مساعي تأجيل الانتخابات. وبدا واضحاً حينها أن معظم القوى السياسية كانت تطالب علناً بإجراء الاستحقاق، لكنها كانت تعمل ضمناً على إسقاطه، وهو ما انعكس في لعبة تبادل المسؤوليات بين الأطراف، إذ حاول كل طرف أن يبدو حريصاً على الانتخابات، ويلقي العرقلة على الآخرين. لكن هذا المشهد تغير فجأة. اختفت المخاوف المعلنة، وتوقف تبادل الاتهامات، واتفق المعارضون، تحت ضغط الحرب وغطاء «القوة القاهرة»، على تمديد المجلس لمدة عامين كاملين، أي نصف ولاية نيابية إضافية. واعتمدت الأغلبية النيابية على النزوح الواسع النطاق وغياب الاستقرار، خاصة في الجنوب، لتبرير القرار باعتباره حماية لشمولية التمثيل الوطني، دون حتى ربطه بمهلة زمنية واضحة أو موعد تقريبي لنهاية الحرب، ما جعله مفتوحا على كل الاحتمالات. صحيح أنه لا يمكن لأحد أن يقلل من ثقل الواقع الأمني، في ظل الحرب المفتوحة وما تسببت فيه من نزوح واضطرابات واسعة النطاق، إضافة إلى الشكوك الجدية حول القدرة على تنظيم الاستحقاق. لكن الصحيح أيضاً أن العامل الأمني، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتفسير ما حدث. فهل فرضت الحرب حقاً هذا الخيار باعتباره المخرج الوحيد، أم أنها وفرت الغطاء المناسب لقرار كانت العديد من القوى في حاجة إليه بالفعل؟ فهل تحول التهديد الأمني إلى فرصة لإعادة التوازنات نفسها وإطالة عمر مجلس تآكلت شرعيته السياسية والشعبية؟ الحرب كغطاء دستوري وسياسي في الأصل، لم يكن قرار التمديد مفاجئًا تمامًا. فهو حاضر في الكواليس منذ أشهر، حتى عندما كان الرؤساء الثلاثة يؤكدون أن الانتخابات ستجرى في موعدها، وكان الجدل العام يدور حول كيفية تحقيق الاستحقاق، وليس حول دفنه. لذلك، ما حدث أعاد فتح النقاش حول حدود «الضرورة» التي تجيز المحظورات الدستورية، وحول ما إذا كانت القوى السياسية قد استسلمت فعلاً للواقع الأمني المضطرب، أم أنها استثمرت فيه لتجنب اختبار صناديق الاقتراع. على الورق، تبدو حجة “القوة القاهرة” قابلة للتسويق. وتشهد البلاد حرباً فعلية، والحدود الجنوبية ليست الوحيدة التي تشتعل فيها النيران، في حين أن النزوح الواسع النطاق والتوتر الأمني والانقسام الداخلي يجعل أي استحقاق انتخابي مهمة بالغة التعقيد. وبالنسبة للقوى التي تواجه تراجعا في شعبيتها أو ضغوطا سياسية واجتماعية متزايدة، بدا هذا الواقع مخرجا قانونيا وسياسيا مناسبا لتأجيل المواجهة مع الناخبين، خاصة مع صعوبة تأمين مراكز اقتراع آمنة في مناطق واسعة. لكن هذا التبرير يصطدم بواقع سياسي آخر. ولم يأت التمديد في نهاية مسار استنفدت فيه كل البدائل، ولم يكن نتيجة نقاش جدي لحلول استثنائية تضمن حق الناس في التصويت رغم الظروف القاهرة. بل على العكس من ذلك، تشير الوقائع التي سبقتها إلى أن قسماً كبيراً من الطبقة السياسية لم يكن متحمساً لخوض الانتخابات، حتى قبل أن تصل الحرب إلى هذا المستوى من التصعيد. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كان الأمن هو السبب الحقيقي الوحيد للتأجيل، أم أنه تحول إلى مظلة مناسبة للهروب السياسي إلى الأمام؟ الإفلات من اختبار الأموال من هذه الزاوية، يصعب اختزال قرار التمديد في كونه استجابة عاجلة لحرب تضغط على البلاد. وبدا أيضاً بمثابة إعلان سياسي واضح بأن السلطة، عندما تتعرض للضغوط، تلجأ إلى الأسلوب الذي عاشته مراراً وتكراراً: التأجيل بدلاً من المواجهة. وهكذا، لم يعد التمديد مجرد تعبير عن عجز الدولة، بل أصبح خياراً واعياً لتأجيل لحظة المساءلة الشعبية. وهنا تكمن المفارقة الأخطر. وبدلاً من أن تكون الانتخابات وسيلة لإعادة تشكيل السلطة على أساس الحقائق الجديدة التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية والانهيار الاجتماعي، تحولت هذه الحقائق نفسها إلى أداة لحماية السلطة القائمة. وهكذا نجحت القوى المسيطرة على النظام في تحويل التهديد الأمني من عامل ضغط عليها إلى فرصة لتعزيز بقائها، مستفيدة من الانشغال الإقليمي والدولي بقضايا الحرب الكبرى، وتراجع القدرة الداخلية على فرض نقاش جدي حول البدائل الدستورية والسياسية. ربما يكون من السابق لأوانه الحديث عن الفائزين والخاسرين بالمعنى الانتخابي المباشر، لكن الصورة السياسية تبدو واضحة بالقدر الكافي. ولم يكن الرهان على إصلاح النظام أو تطويره، بل على حماية التوازن القائم ومنع أي تغيير محتمل في الخريطة النيابية. فالتمديد أعطى القوى التقليدية وقتاً إضافياً ثميناً، وأنقذها من اختبار شعبي كان يمكن أن يكون قاسياً في وقت تتداخل فيه تداعيات الحرب مع الانهيار الاقتصادي والتوتر الاجتماعي وفقدان الثقة في السلطة. وعندما تحولت الضرورة إلى أداة لحماية السلطة بهذا المعنى، اختار النظام السياسي ما اعتبره «أهون الشرين»: تعليق الاستحقاق بدلاً من المجازفة بتنفيذه في ظروف مضطربة. لكن هذا الخيار، مهما بدا عملياً من وجهة نظر السلطة، يطرح مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة النظام نفسه. يتم اختبار الولايات فيما يتعلق بقدرتها على الحفاظ على قواعدها الدستورية أثناء الأزمات، وليس مدى سرعة تعليقها عند أول نقطة تحول رئيسية. وعندما يصبح الاستثناء هو القاعدة، وتتحول «الضرورة» إلى آلية ثابتة لإدارة المأزق، يصبح الخلل سياسياً وهيكلياً، وليس مجرد فني أو ظرفي. ولذلك، يبدو أن خطر التمديد يتجاوز مجرد تأجيل الانتخابات. وهو يكرّس منطق إدارة الأزمة بدلاً من معالجتها، ويؤكد أن السلطة لا تزال تلجأ إلى حماية نفسها قبل حماية المسار الديمقراطي. ورغم أنها كانت تتحدث دائماً عن النظام الدستوري والاستقرار المؤسسي، فإنها في لحظة الاختبار قدمت نموذجاً معاكساً تماماً: فهي لم تبحث عن حلول مبتكرة من شأنها أن تسمح للناس بممارسة حقهم في التصويت في ظل ظروف استثنائية، بل ذهبت بدلاً من ذلك إلى الخيار الأسهل سياسياً والأكثر ديمقراطية. في الختام، ربما فرضت الحرب ظروفاً قاسية حقاً، وقد يكون إجراء الانتخابات في موعدها شبه مستحيل من الناحية العملية، لكن ذلك لا ينفي حقيقة جوهرية، وهي أن السلطة لم تتعامل مع الحرب كأزمة يجب أن تكون آثارها على الحياة الدستورية محدودة، بل كفرصة لتعليق الاستحقاق وحماية التوازنات القائمة. ومن هنا، لم يعد السؤال يقتصر على شرعية التمديد بحد ذاته، بل يمتد إلى قدرة هذه السلطة «الموسعة» على معالجة الأزمات الكبرى بعيداً عن منطق المحاصصة، وإلى ما إذا كان العامان المقبلان سيفرزان حلولاً حقيقية، أم أنهما مجرد مهلة في انتظار تسويات إقليمية ترسم معالم المرحلة المقبلة في لبنان.


