اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-05 10:00:00
وعلى عكس ما اعتادت عليه الأسواق في أوقات الحروب والأزمات، لم يتبع الذهب مسار “الملاذ الآمن” التقليدي منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وبدلا من الارتفاع الفوري، سجل المعدن الأصفر تراجعا ملحوظا خلال الأسابيع الأربعة الأولى، على الرغم من تصاعد المخاطر المتعلقة بالطاقة والتجارة والتضخم. إلا أنه مع بداية الشهر الثاني، تعافى محققاً أول مكاسبه الأسبوعية منذ اندلاع الحرب. ما هي الأسباب التي دفعت الذهب للانخفاض في ذروة الصعود؟ فهل سيحافظ على مساره المتذبذب أم سيتجه نحو موجة صعودية أقوى إذا استمرت الحرب لفترة أطول؟ وهذا السلوك الذي بدا محيرا للبعض، يعكس ديناميكية أعمق في الأسواق المالية، حيث تتقاطع عوامل السيولة والسياسات النقدية وتوقعات المستثمرين. الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الدكتور أنيس أبو دياب يدحض الأسباب، مشيراً في حديث لـ”لبنان 24” إلى أن العامل الأول وراء تراجع الذهب يعود إلى اندفاع المستثمرين نحو السيولة. وفي لحظات الصدمة، لا يبحث المستثمر عن “أفضل الأصول” بقدر ما يبحث عن “النقد الجاهز”. وهذا ما يدفعهم إلى بيع أصول مختلفة، بما في ذلك الذهب، لتغطية الخسائر أو تلبية ما يعرف بنداء الهامش، خاصة مع الصناديق الكبرى. ومع توسع البيع، يتم تعزيز ما يسمى بتأثير العدوى في السوق، حيث يؤدي البيع إلى المزيد من البيع. أما العامل الثاني، بحسب أبو دياب، فهو قوة الدولار الأميركي الذي يعتبر الملاذ الأول عالمياً من حيث السيولة. “في بداية الحروب، يلجأ المستثمرون إلى الدولار لتأمين احتياجاتهم النقدية، خاصة تلك المتعلقة بالطاقة مثل شراء النفط، مما يدفعه إلى الارتفاع. وبما أن العلاقة بين الدولار والذهب عكسية، فإن ارتفاع الدولار يضغط تلقائياً على أسعار الذهب، مما يؤدي إلى انخفاضه. أما العامل الثالث فيتمثل بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، خاصة لأجل 10 سنوات، والتي اقتربت من 4.6، وهي مستويات جذابة للمستثمرين. فمع ارتفاع العائد، وتصبح السندات أكثر جاذبية مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائدا، مما يدفع المستثمرين إلى التحول إلى أدوات الدخل الثابت على حساب المعدن الأصفر. السبب الرابع يكمن في إعادة تسعير المخاطر، حيث تحتاج الأسواق إلى وقت في بداية أي أزمة لاستيعاب حجمها وتداعياتها، وهو ما يعكس تقلبات في الأداء وإعادة توزيع الأصول، لذلك لا يتحرك الذهب بشكل فوري، بل يبدأ في الارتفاع تدريجيا بعد امتصاص الصدمة وتتضح الصورة ومع مرور شهر وبدأت الأسواق في استيعاب الصدمة، بدأت البيانات تتغير بعد دخول الحرب شهرها الثاني، ويشير أبو دياب في هذا السياق إلى تراجع الزخم الذي دعم الدولار، إذ ظهرت مؤشرات على أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه نحو خفض أسعار الفائدة بدلاً من تشديد السياسة النقدية، لتجنب التباطؤ الاقتصادي في محاولة لدعم النمو الاقتصادي في مواجهة تداعيات الحرب وهنا تحولت السيولة نحو التحوط، أي الذهب، في الوقت نفسه، بدأت المخاطر الفعلية للحرب تتصاعد أكثر بسبب استمرار الحرب وما نتج عنها من تصاعد أزمة الطاقة، والضغوط التضخمية الإضافية، وتعطل سلاسل التوريد، وعززت هذه العوامل، بحسب أبو دياب، الطلب على الذهب كأداة تحوط، وعلى الفضة أيضا، خاصة مع تزايد المخاوف من الركود التضخمي، وهو السيناريو الذي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الفضة أما الفضة فتأخرت في اللحاق بالموجة الصاعدة مقارنة بالذهب “وهذا بسبب طبيعتها المزدوجة، فهي ليست ملاذا آمنا فحسب، بل مادة خام صناعية أيضا. ولذلك فإن الطلب عليه يتأثر بتوقعات النشاط الاقتصادي، ما يجعل حركته أكثر تقلباً في المراحل الأولى، قبل أن يلحق بالذهب بوتيرة أسرع عندما تتضح الرؤية». ما حدث لا يشكل تناقضا مع دور الذهب كملاذ آمن، بل تأكيد على أن هذا الدور لا يظهر مباشرة بعد حدوث الصدمة، بل بعد أن تهدأ الأسواق نسبيا. ويختتم أبو دياب، «في البداية تكون الحاجة إلى السيولة هي الغالبة، قبل أن تعود الأولوية تدريجياً إلى التحوط من المخاطر. وبين هاتين المرحلتين تتشكل حركة أسعار الذهب بشكل قد يبدو متناقضا في الظاهر، لكنه في الواقع يعبر عن منطق السوق أثناء الأزمات. ومن ناحية أخرى، فإن تصاعد المخاوف من الركود التضخمي يعزز الاتجاه نحو الذهب كخيار. وفي هذا السياق، يبرز نموذج البنك المركزي الفرنسي، الذي اعتمد استراتيجية بيع وإعادة شراء الذهب في إطار إدارة نشطة لاحتياطياته، محققاً أرباحاً ملحوظة تقدر بنحو 15 مليار دولار نتيجة تحديث محفظته من الذهب. كما أن استمرار البنوك المركزية في زيادة مشترياتها من الذهب من شأنه أن يدعم أسعاره ويعزز اتجاهه الصعودي. مسار الذهب مع استمرار الحرب. ويبدو أن مسار الذهب خلال الأيام والأسابيع المقبلة سيبقى رهينة توازن دقيق بين عاملين متناقضين: من جهة، ضغوط السيولة وعمليات البيع التي قد تتجدد، كما حدث مع لجوء البنك المركزي التركي إلى بيع نحو 60 طناً من الذهب خلال فترة قصيرة، مما يضغط على الأسعار، ومن جهة أخرى، تصاعد المخاطر المرتبطة بإطالة أمد الحرب، وما رافقها من اضطرابات في الطاقة والتضخم وسلاسل التوريد، وهي عوامل تعزز الاستقرار. الطلب على الذهب كملاذ آمن. وعلى هذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التقلبات في الأمد القريب، على مسار صاعد تدريجياً، مع سيطرة المخاوف من الركود التضخمي وانحدار جاذبية الأصول البديلة. قد لا يقفز الذهب على الفور، لكنه يميل إلى الارتفاع مع استمرار الأزمات ووضوح تكاليفها الاقتصادية، مما يجعله في النهاية أحد أبرز المستفيدين من حرب مفتوحة مع احتمال التصعيد.




