اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-08 07:01:00
إذا سقطت النبطية فماذا يبقى من العمق الجنوبي لحزب الله؟ السؤال كبير وخطير، خاصة وأن الإعلام الإسرائيلي بدأ يروج لمعركة النبطية وما بعد النبطية. ونشر موقع “والا” الإسرائيلي تقريرا نقلا عن ضباط في الجيش الإسرائيلي، كشف فيه أن “قائد القيادة الشمالية اللواء رافي ميلو يضغط من أجل تدمير البنية التحتية لحزب الله في النبطية”. وعلم موقع “واللا” أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل عملية برية في ضواحي مدينة النبطية، واستخدم أنواعًا مختلفة من الروبوتات لتحديد مواقع العبوات الناسفة والكشف عن خلايا حزب الله في المنطقة. كما اعتبر الموقع أن “سقوط النبطية، أكبر حصن في جنوب لبنان، سيتحول إلى زلزال”. القلعة التي يخشى «الحزب» سقوطها. وإذا كانت الضاحية الجنوبية تمثل المركز السياسي والشعبي لـ«حزب الله»، فإن النبطية تشكل عمقها الجنوبي الاستراتيجي والعقدة التي تربط الداخل اللبناني بالقطاع الحدودي. ولهذا السبب، يولي الجيش الإسرائيلي أهمية استثنائية للمدينة ومحيطها، كونها حلقة الوصل بين منطقة الليطاني والقطاع الحدودي، بين البقاع والجنوب، وبين مراكز القيادة والإمداد وخطوط الجبهة. النبطية ليست مجرد مدينة رئيسية في الجنوب، بل هي العاصمة التاريخية لجبل عامل، ومركز إداري واقتصادي وتعليمي وصحي. وأصبحت منذ ثمانينات القرن الماضي إحدى أهم البيئات الحاضنة للحزب الذي استثمر فيها سياسيا واجتماعيا وعسكريا لأكثر من أربعة عقود. تكمن أهمية النبطية العسكرية في موقعها الجغرافي، إذ تقع عند تقاطع الطرق الرئيسية التي تربط الساحل بالداخل، وتربط الزهراني وصيدا شمالاً بمرجعيون والخيام والعرقوب شرقاً. كما تشكل بوابة طبيعية نحو وادي الحجر ونهر السلوقي والمرتفعات المطلة على القطاع الأوسط من الحدود. وخلال حرب تموز/يوليو 2006، لعبت المنطقة الممتدة بين النبطية ووادي الحجر دوراً محورياً في العمليات العسكرية لحزب الله، فيما اعتبرت إسرائيل أن السيطرة النارية على هذه المنطقة شرط أساسي لمنع عودة بناء البنية العسكرية للحزب في الجنوب. كما تمثل النبطية بالنسبة لحزب الله قاعدة خلفية لعناصره المنتشرين جنوب الليطاني. ويمر الجزء الأكبر من البنية اللوجستية وشبكات الدعم والإمداد والاتصالات التي يعتمد عليها الحزب في القطاع الأوسط من الجنوب عبر هذه المنطقة أو يتفرع منها باتجاه القرى الحدودية. مدينة التاريخ والحضارة إلى جانب البعد العسكري، تحمل النبطية قيمة رمزية كبيرة. وتعتبر المدينة من أبرز مدن جبل عامل التي ارتبط اسمها بتاريخ الحركات السياسية الشيعية في لبنان، والتي خرجت منها شخصيات دينية وسياسية مؤثرة. كما شكلت على مدى عقود مركزاً للنشاط الشعبي والتنظيمي الذي استفاد منه حزب الله لترسيخ وجوده في الجنوب. ولهذا السبب، فإن أي تقدم إسرائيلي نحو أطراف المدينة أو أي محاولة لاستهداف البنية العسكرية فيها، لا ينظر إليه في إسرائيل على أنه إنجاز ميداني فقط، بل بمثابة ضربة معنوية ورمزية لـ«الحزب» في أحد أهم مناطقه. ساحاتها التاريخية. من هنا، يمكن فهم وصف بعض الدوائر العسكرية الإسرائيلية للنبطية بأنها “حصن حزب الله الأعظم” في الجنوب. الأمر لا يتعلق بمدينة أو موقع جغرافي فقط، بل بمنطقة تشكل نقطة التقاء بين التاريخ والرمزية والسيطرة الميدانية وشبكات الإمداد، ما يجعل أي تغيير في واقعها العسكري حدثاً تمتد تداعياته إلى ما وراء حدود الجنوب إلى المشهد اللبناني برمته. لماذا تضع إسرائيل النبطية على ضفة أهدافها؟ وإذا افترضنا أن السيناريو الذي تتحدث عنه بعض التقديرات الإسرائيلية قد تحقق، فإن تداعيات سقوط النبطية ستتجاوز حدود مدينة جنوبية كبرى. عسكرياً، سيعني ذلك خسارة «حزب الله» إحدى أهم العقد اللوجستية التي تربط عمقه. الخلفية في مسرح العمليات جنوب الليطاني. كما سيؤدي إلى تمزيق شبكة الحركة بين القطاع الأوسط والقطاع الشرقي من الجنوب، وسيضع مناطق واسعة من جبل عامل تحت المراقبة المباشرة للنيران الإسرائيلية. وعلى الأرض، فإن سقوط النبطية سيجعل البلدات الواقعة بين الليطاني والزهراني أكثر عرضة للضغوط العسكرية، وسيمنح إسرائيل موقعاً متقدماً يمكنها البناء عليه للتوسع في مناطق أخرى أو فرض ظروف أمنية جديدة في الجنوب. لكن التأثير الأخطر قد يكون أخلاقيا وسياسيا. سقوط النبطية سيشكل ضربة للخطاب الذي بنى عليه حزب الله صورته كقوة قادرة على حماية الأرض ومنع أي تقدم إسرائيلي في مناطق الثقل الشيعي. وبعد سقوط المواقع الحدودية والقرى المحاذية للشريط الحدودي، سيبدو نقل المعارك إلى النبطية بمثابة نقل الحرب إلى قلب العمق الجنوبي نفسه. تاريخياً، لم تشهد المدينة مشهداً مماثلاً منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. ولهذا السبب على وجه التحديد، ينظر حزب الله إلى النبطية باعتبارها خط دفاع متقدم عن مشروعه ونفوذه في الجنوب. وإذا كانت القرى الحدودية تمثل خط الدفاع الأول عن «حزب الله»، فإن النبطية تمثل قلب العمق الجنوبي، وسقوطها، إذا حدث، لن يقاس بعدد الكيلومترات التي تقدم بها الجيش الإسرائيلي، بل بحجم الضربة التي ستلحق بالبنية اللوجستية والرمزية والسياسية لـ«الحزب» في الجنوب. معلومات مغلوطة إعلاميا. في تلك الأثناء، كانت إذاعة “صوت العرب” تبث إعلانات الانتصارات والجبهات تنهار. واليوم يبدو المشهد مكررا. المدن الجنوبية تتساقط الواحدة تلو الأخرى. وسقطت الغندورية، وامتدت العمليات نحو برج قلاوية وصريفا، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى منطقة النبطية بعد تقدمها على عدة محاور سواء باتجاه مفدون أو عدشيت. ومن هنا خطورة الاستمرار في الإنكار وتقديم الروايات التحريضية على حساب الصراحة والواقعية. والحقيقة التي يجب ذكرها بوضوح هي أن حماية الجنوب لا تتم بإخفاء الحقائق أو بصناعة الانتصارات الإعلامية. حماية الجنوب تبدأ بالاعتراف بالخسائر، وقراءة موازين القوى كما هي، وتغليب مصلحة لبنان وشعبه على أي اعتبار آخر. لقد علمنا التاريخ أن الهزائم لا تبدأ بتراجع الجيوش، بل عندما تحل الدعاية الفارغة محل الحقيقة، والحقائق بالشعارات الكاذبة، والخسائر بانتصارات وهمية.



