اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 09:30:00
مشهد العودة في جنوب لبنان لا يشبه أي مشهد نزوح وعودة عرفه العالم. يعود النازحون عادةً إلى منازلهم، ويفتحون أبوابهم، وينفضون الغبار عن الأثاث، ويشعلون الموقد لإعداد أول فنجان قهوة بعد غياب. لكن هنا المشهد مختلف تماما. تعود عائلات بأكملها إلى كومة الحجارة، تبحث بين الركام عن «سند المنزل» لتغرس خيمة بجانبه، وتعلن ببساطة: «وصلنا». ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تحولت الطرق المؤدية إلى القرى الحدودية إلى ما يشبه النهر البشري. سيارات محملة بالفرش والبطانيات، ودراجات نارية أمام العائلات لتفقد الطريق، وشاحنات صغيرة تحمل ما يمكنهم جمعه من بقايا الحياة. الجميع يسأل نفس السؤال: “ماذا بقي من المنزل؟” الجميع يعرف الجواب مقدما، لكنه يريد أن يراه بأم عينيه. وفي بلدة دير الزهراني التي شهدت وحشية الإسرائيليين، التقينا الحاج أبو خليل (67 عاماً)، وهو يقف أمام ما تبقى من منزله المدمر. ثلاث طبقات تحولت إلى كومة من الأسمنت المسحوق وقضبان الحديد الملتوية. وقف صامتا طويلا، ثم انحنى والتقط حجرا صغيرا من الركام، فقلبه بين يديه كأنه جوهرة ثمينة، وقال بصوت هادئ ممزوج بالأسى: “هذه ليست حجارة، هذه ذكرى. كل ركن من أركان المنزل له قصة. هنا كنا نتحدث في الشتاء، وهناك كان الأب يفرش سجادة الصلاة. الأرض تعرف أبناءها، ونحن نعرف أرضنا”. ويسأله أحد أقاربه عن جدوى نصب خيمة فوق الركام، فيجيبه. بشكل حاسم: “نريد أن نبقى على طرف الأرض. إذا ابتعدنا ضاع الحق. هذه أرض أجدادنا وفيها دماء شبابنا. الخيمة ليست مجرد سقف، الخيمة عنوان. هذا يعني أننا عائدون ولا نرحل”. هذا الارتباط الأسطوري بالأرض ليس جديداً على شعب الجنوب، لكنه يتجلى في أوقات الشدائد بطريقة تكاد تكون صعبة الفهم في منطق المدن الحديثة. الأرض هنا ليست مجرد عقار أو مساحة جغرافية، بل هي هوية مجسدة. إنها شجرة الزيتون التي غرسها جدي قبل مائة وخمسين عاما، هي عتبة المنزل التي تآكلت بفعل خطى الأطفال، هي رائحة التراب بعد أمطار أكتوبر الأول، هي القصص التي تروى عن «الأيام الجميلة» قبل أن تصبح القرية ساحة لصواريخ إسرائيل. ويروي أبو خليل وهو يحاول إزالة قطعة إسمنت من مدخل المنزل: «قالت لي زوجتي: ماذا نريد في الخيمة الآن؟» فقلت لها: نريد أن نبقى بجانب الجيران وفي الحي. إنها مدينتنا. وإذا تركناها ستصبح غريبة. المهم أن نبقى على التراب ولو تحت قطعة القماش. الجدران تُبنى من جديد، لكن الأرض لا يمكن تعويضها». ولا يقتصر المشهد على دير الزهراني، بل يتكرر في ميس الجبل وكفركلا وحولا وعشرات القرى الحدودية. تنصب العائلات الخيام حرفياً فوق أنقاض منازلهم، وكأنها تبعث برسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل بأننا باقون، والثانية إلى الخارج بأن هذه الأرض لن تخلو من أهلها مهما كلف الأمر. إنها ليست مجرد عودة إلى قرية، بل هي عودة إلى الذات، إلى الجذر، إلى ما تبقى من معنى الانتماء في زمن تتساقط فيه المعاني. شعب الجنوب لا يحتاج إلى جدران ليثبت وجوده. متر من التراب وخيمة في مواجهة الريح تكفيان ليقولوا للعالم أجمع: «نحن هنا».


