اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 13:00:00
دخل وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ لمدة عشرة أيام قابلة للتمديد بالتراضي، في وقت بدت فيه الجبهة الجنوبية أقرب إلى تجميد مؤقت للنيران منها إلى تسوية كاملة. ولم يُطرح الاتفاق الذي رعته واشنطن كنهاية للصراع، بل كمدخل لمفاوضات مباشرة حول الأمن والحدود وترتيبات المرحلة المقبلة، ما يعني أن الهدنة منذ يومها الأول استلزمت أكثر من مجرد وقف العمليات العسكرية. من هذه الزاوية، لا يمكن التعامل مع ما حصل على أنه استراحة مريحة للبنان. وجاء التفاهم تحت ضغوط أميركية واضحة، بعد جولة من المحادثات المباشرة في واشنطن، هي الأولى من نوعها منذ عقود، بين مندوبين من لبنان وإسرائيل، فيما كانت الإدارة الأميركية تدفع باتجاه تهدئة الجبهة اللبنانية خشية أن يؤدي ذلك إلى إرباك مسار إقليمي أوسع. لذلك، لم يكن وقف إطلاق النار إجراءً فنياً معزولاً، بل خطوة فُتحت عليها فوراً أبواب السياسة والحسابات الثقيلة. لم يستغرق اليوم الأول من الهدنة وقتا طويلا ليكشف مدى التعقيد الكامن فيها. ولم تنسحب إسرائيل بشكل كامل من الجنوب، بل أبقت قواتها داخل الأراضي اللبنانية على عمق يصل إلى 10 كيلومترات، بحسب ما نشر عن التفاهم، مع احتفاظها بحق “الدفاع عن النفس”. في المقابل، حذر حزب الله من أن التفاهم سيتحول إلى غطاء لحرية التنقل الإسرائيلية داخل لبنان، فيما سعى الرئيس جوزيف عون إلى رفع السقف اللبناني من خلال الدعوة إلى الانتقال من الهدنة المؤقتة إلى الاتفاقات الدائمة دون التنازل عن الأراضي. الهدنة التي دفعت واشنطن من أجلها. أول ما يلفت النظر في هذه الهدنة أنها ولدت في واشنطن بقدر ما ولدت على الأرض. ولم تتحرك الولايات المتحدة لإسكات الجبهة فحسب، بل لتأسيس مسار تفاوضي كانت تمسك بخيوطه. وهذا يفسر لماذا كان إعلان التهدئة مصحوباً بالحديث المباشر عن «الظروف الملائمة للسلام الدائم» والمفاوضات حول الحدود والسيادة والترتيبات الأمنية. أي أن الإدارة الأميركية أرادت منذ البداية أن يجعل وقف إطلاق النار بداية مرحلة، وليس مجرد نهاية جولة. لكن هذه الرعاية الأميركية لا تعني أن لبنان دخل المفاوضات من موقع مريح. المحادثات التي سبقت الهدنة كشفت عن تضارب واضح في الأولويات، إذ أراد لبنان وقف إراقة الدماء وفتح المجال للهدوء وعودة النازحين، بينما دخلت إسرائيل بمطالبة نزع سلاح حزب الله وتعاملت مع الحرب كفرصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في الجنوب. وبين هذين السقفين، بدا الدور الأميركي أقرب إلى إدارة مفاوضات تجري في ظل الخلل، بدلاً من رعاية التسوية المتساوية. وهنا تكمن حساسية اللحظة اللبنانية. وكانت بيروت بحاجة إلى وقف إطلاق النار لأسباب تتعلق بالإرهاق المباشر، لا سيما مع تزايد كلفة الحرب، سواء المباشرة أو حتى غير المباشرة، مع أعباء النزوح التي كادت تتجاوز الإمكانات، فيما قدرت الحكومة اللبنانية الأضرار بنحو 7 مليارات دولار. ولذلك فإن لبنان يتقدم على هذا المسار ويحاول أولاً وقف النزيف، قبل أن يكون لديه ترف التفاوض من موقع المساواة الكاملة. السقف الإسرائيلي واختبار السيادة والسلاح في المقابل، لا تتعامل إسرائيل مع الهدنة باعتبارها مجرد عودة إلى ما قبل الحرب. إن إبقاء القوات داخل الجنوب، واعتبار المنطقة التي دخلتها منطقة أمنية، مع الاحتفاظ بحق “الدفاع عن النفس”، كلها مؤشرات على أن تل أبيب تريد هدنة تحافظ فيها على مكاسبها الميدانية والأمنية، وتحولها فيما بعد إلى أوراق تفاوض. وهذا يرفع السقف الإسرائيلي إلى مستوى يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، لأن الأمر يصبح مرتبطاً بالوضع في اليوم التالي، وليس مجرد وقف القصف. وهذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سيادي مبكر. لقد حاول الرئيس جوزف عون منذ الساعات الأولى تقديم التفاوض كخيار لحماية سيادة لبنان ووحدته ودفاعه، وليس علامة ضعف أو تنازل. لكن هذا الخطاب سرعان ما يصطدم بكون أي حديث عن مرحلة جديدة يبقى منقوصاً ما دامت إسرائيل موجودة داخل الأراضي اللبنانية، وما دام الاتفاق نفسه لا يمنح بيروت حقاً مماثلاً في «الدفاع عن النفس» بالشكل نفسه. وهنا بالتحديد يبدأ التوتر بين ضرورة تثبيت الهدنة، وضرورة منع تحولها إلى منصة للضغط المفتوح على السيادة اللبنانية. ومن هذا المنطلق، فإن مسألة «التفرد بالسلاح» تأتي كأول اختبار داخلي فعلي للهدنة. وينص الاتفاق على أن القوات اللبنانية الرسمية تعتبر الجهة الوحيدة المخولة بالدفاع عن سيادة البلاد، لكنه لا يتضمن نزع سلاح حزب الله بشكل مباشر، فيما يرفض الحزب أي صيغة تمنح إسرائيل حرية العمل العسكري داخل لبنان. عملياً، يعني ذلك أن الهدنة خففت من صوت النار، لكنها سرعان ما برزت إلى الواجهة سؤالاً أكثر حساسية: هل يتحول عنوان الدولة إلى مسار تدريجي لإعادة ضبط القرار الأمني، أم يصبح موضوع صدام سياسي جديد داخل لبنان؟ في الختام، لا يبدو أن لبنان دخل مرحلة ما بعد الحرب بقدر ما دخل اختبار ما بعد الهدنة. فتح الضغط الأميركي الباب، وبقي السقف الإسرائيلي مرتفعاً، وسرعان ما وجد الداخل اللبناني نفسه أمام أسئلة السيادة والسلاح وشكل المرحلة المقبلة. لذلك، لم يعد الاختبار الحقيقي هو قدرة الأيام العشرة على الصمود فحسب، بل قدرة لبنان على منع تحول الهدنة إلى مسار إملاءات، وأيضاً تحويلها إلى فرصة لاستعادة مقاليد القرار من دون انزلاق الداخل إلى صدام سياسي مفتوح على كل الاحتمالات.


