اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-16 14:00:00
عندما انعقدت الجولات الأولى من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن قبل يومين، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه اختراق كبير في جدار القطيعة المستمر منذ عقود. اللقاء الذي رعته واشنطن وشاركت فيه شخصيات دبلوماسية من الجانبين، قدمه الأميركيون على أنه فرصة تاريخية، لكن من دون الإيحاء بأن انفراجاً وشيكاً أصبح في المتناول، وهو ما بدا كافياً للقول إن ما فُتح لم يكن الباب لتسوية كاملة، بل نافذة للاختبار السياسي. لكن بعد أقل من 24 ساعة، أصبح من الواضح أن المفاوضات لا تجري في مناخ من الهدوء الحقيقي، بل تحت سقف النار المفتوحة. ورغم الحديث عن وقف محتمل لإطلاق النار في لبنان، وظهور أنباء عن اجتماع للحكومة الإسرائيلية لبحث هذا الاحتمال بضغط من واشنطن، أظهرت المعطيات الميدانية غياب أي جدول زمني واضح لوقف القتال. لذلك، بدا الحديث عن «اتفاق قريب» سابقاً لأوانه ومحفوفاً بالمخاطر السياسية. المفارقة الكبرى هي أن نتنياهو نفسه اختار، في الوقت نفسه تقريباً، إرسال رسائل معاكسة تماماً لأجواء التهدئة، معلناً استمرار الضربات وتوسيع العمليات في الجنوب. وهنا تظهر العقدة الأساسية التي تواجه المفاوض اللبناني: هل نحن أمام مفاوضات تهدف إلى خفض التصعيد أم أننا أمام حرب تستخدم فيها الطاولة أداة لتحسين الأوضاع؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب الخوض في أعماق الموقفين الأميركي والإسرائيلي وتضارب الأهداف بينهما. «الفرصة» القائمة والضغوط الأميركية. ومن حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن مجرد عقد لقاء مباشر لأول مرة منذ أكثر من أربعين عاماً يحمل أهمية سياسية كبيرة لا يمكن تجاهلها. يعني أن واشنطن نجحت في جمع الطرفين على طاولة واحدة، وأن هناك قناعة أميركية بأن الجبهة اللبنانية لا يمكن أن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية. وتتعزز هذه القناعة من خلال الجهود التي تبذلها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإرساء تهدئة أوسع في المنطقة، تهدف إلى منع المنطقة من الانفجار بشكل يربك هذا المسار. وبهذا المعنى، يحظى الضغط الأميركي على إسرائيل لتقليص هجماتها باهتمام مضاعف، حيث يُفسر على أنه محاولة جادة لتوفير «بيئة تفاوضية» تمنع انهيار المسار الدبلوماسي قبل ولادته. وبحسب المعطيات، فإن البيت الأبيض يرى في إنهاء الأعمال العدائية في لبنان مصلحة استراتيجية تتقاطع مع ملفات إقليمية أكثر تعقيدا، تتعلق أيضا بالهدنة مع إيران، ما يجعل الدور الأميركي في هذه المرحلة محركا أساسيا للعملية، حتى لو كان لا يزال يفتقر إلى الأدوات المباشرة لإلزام الجانب الإسرائيلي. لكن «الفرصة» تظل محاصرة بضيق الوقت ما دامت المفاوضات لم تنته بعد. انتهى اللقاء الأول من دون وقف إطلاق النار ومن دون انفراج سياسي ملموس، في حين ظلت الأولويات متباينة: لبنان يريد الهدوء ووقف الأعمال العدائية والانسحاب الإسرائيلي، في حين تضع إسرائيل نزع سلاح “حزب الله” في قلب العملية. وهنا تصبح «الفرصة» حاضرة بالشكل، لكنها محدودة بالمضمون، وتتحول مفاوضات واشنطن إلى مجرد جولة استكشافية بالذخيرة السياسية الحية. “المناورة” الإسرائيلية والتفاوض تحت النار في الوقت نفسه، تبدو “مناورة” رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر حضوراً وتأثيراً على الساحة العامة، فهو لا يفاوض من موقف السعي إلى تهدئة سريعة للنيران. وفي حين يتم تقديم المسار خارجياً كنافذة للهدوء، يواصل نتنياهو استخدام المفاوضات كغطاء لاستمرار الضغط العسكري. ولعل الإعلان عن استمرار الضربات وتعزيز «المنطقة الأمنية» في الجنوب يعكس، في هذا السياق، رغبة إسرائيلية في انتزاع «استسلام سياسي» لم يتمكن الجيش من تحقيقه بنجاح ميدانياً حتى الآن. وفي السياق نفسه، يمكن فهم إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي تحويل المنطقة حتى نهر الليطاني إلى ما يشبه «منطقة محظورة» على عناصر حزب الله، رغم أنه يقوض جوهر التفاوض السياسي القائم على السيادة. إن الجمع بين الحديث عن «اتفاق قريب» ومحاولة تفكيك البنية التحتية للخصم على الأرض، وهو في هذه الحالة حزب الله، يجعل الطريق أقرب إلى عملية «الابتزاز الدبلوماسي». بمعنى آخر، يريد نتنياهو أن يطرح على الطاولة ما فشل في انتزاعه بالكامل عبر التوغل البري، وهو ما يضع الدولة اللبنانية في موقف صعب. وهنا، هناك من يرى أن القراءة الإسرائيلية للمسار قد تكون مجرد وسيلة لكسب الوقت وإظهار «حسن النية» أمام إدارة ترامب، من دون تقديم تنازلات حقيقية لوقف الحرب. إن الوقائع الميدانية المتفجرة تضعف أي تفاؤل سريع، وتؤكد أن إسرائيل مصرة حتى الآن على التفاوض من داخل الحرب، وليس خارجها. وفي الختام، لا يمكن القول إن مفاوضات واشنطن هي وهم كامل، لأنها فتحت قناة اتصال غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه لا تمثل «إخلاء المسؤولية» لنتنياهو الذي يحاول تسييس الميدان وتأميم النتائج لصالحه. والثابت هو أن قيمة كل هذا المسار تبقى رهينة مدى قدرة لبنان على إعادة مركز ثقله إلى أولويته الأصلية: وقف العدوان أولاً. وما لم يعمل وقف إطلاق النار على تعزيز أهداف الحرب، فإن المفاوضات ستظل مجرد مناورة محسوبة لتحسين الظروف على الأرض تحت ستار الدبلوماسية الدولية.



