اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 06:47:00
في لحظة إقليمية مشحونة، يبدو أن لبنان محكوم بمعادلة قاسية صفرية يفرضها اللاعبون المنخرطون في الصراع الدائر. معادلة لا تترك مجالاً كبيراً للمناورة، فكل مركز يقاس بمعيار صافي الربح والخسارة، وليس بمصالح الدولة العليا. وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان بين طرفين، يرى كل منهما في أي تنازل للآخر هزيمة لا تطاق. وأي خطوة تتخذها الدولة اللبنانية باتجاه بنيامين نتنياهو ستفسر داخليا على أنها خسارة غير مقبولة وستقابل بالرفض تحت عنوان «الكرامة» أو «المقاومة» من قبل حزب الله. في المقابل، فإن أي تسوية داخلية لا تعالج مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، سيعتبرها الجانب الإسرائيلي تنازلاً استراتيجياً لا يمكن القبول به. وهكذا يجد لبنان نفسه محاصراً بين رؤيتين متناقضتين، كل واحدة منهما تفرض شروطها وتعتبر التراجع عنها تهديداً وجودياً. وفي أدبيات العلوم السياسية، لا يشكل هذا المشهد استثناءً، بل يُعرف كجزء مما يسمى “لعبة المجموع الصفري”، وهو مفهوم طوره جون فون نيومان وأوسكار مورغنسترن، حيث يختزل الصراع إلى معادلة جامدة: فوز أحد الطرفين يعني حتماً خسارة الطرف الآخر. لكن ما يزيد الوضع اللبناني تعقيداً هو تقاطع هذه اللعبة مع ما يعرف بـ”المعضلة الأمنية”، التي شرحها جون هيرتز وعمقها لاحقاً روبرت جيرفيس، حيث تُفسر أي خطوة، حتى لو كانت دفاعية، على أنها تهديد يستدعي رداً مضاداً. والأخطر من ذلك أن هذه المعادلة لا ترفض المستوطنات فحسب، بل تعيد تعريفها. كل رفض لشروط نتنياهو يقدم على أنه انتصار لحزب الله، وكل ضغط داخلي على الحزب يقدم على أنه مكسب لإسرائيل. إنها ليست لعبة محصلتها صِفر فحسب، بل إنها أيضاً أشبه بلعبة الدجاجة في أدبيات العلاقات الدولية، حيث يستمر الجانبان في التصعيد لأن التراجع، حتى لو كان عقلانياً، يكلف على المستوى السياسي أكثر من المجازفة بالاصطدام. وهذا النمط ليس جديدا. وخلال الحرب الباردة، عاش العالم وفق معادلة مماثلة، حيث كان أي تنازل يُقرأ على أنه ضعف، وأي تصعيد قد يؤدي إلى كارثة. وفي أزمة الصواريخ الكوبية، كاد هذا المنطق أن يؤدي إلى مواجهة نووية، قبل أن يلجأ جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف إلى تسوية غير مباشرة تحفظ ماء وجه الطرفين. وحتى في لبنان نفسه، لم يكن الخروج من دوامة الحرب ممكناً إلا بكسر هذه المعادلة عبر اتفاق الطائف الذي أعاد تعريف التوازنات بدلاً من الاكتفاء بإدارتها. وفي الوضع اللبناني الحالي، لا تكمن المشكلة في حقيقة إدارة الصراع كمعادلة صفرية فحسب، بل في النظر إليه على هذا النحو. أي أن الطرفين يتصرفان على أساس أن أي مكسب للآخر هو خسارة لهما، حتى عندما يكون هناك مجال لتسويات تقلل من حجم خسائر الجميع. وهذا ما يسميه بعض الباحثين “المجموع الصفري المتصور”. ومن هنا فإن تجاوز هذه المعادلة يصبح ضرورة وليس خيارا. ليس من خلال تقديم تنازلات أحادية، بل من خلال كسر منطق الربح والخسارة نفسه. ويبدأ ذلك بترسيخ سلطة الدولة باعتبارها صاحبة القرار السيادي، وتفعيل دبلوماسية المبادرة التي لا تكتفي بردة الفعل، والعمل على إعادة بناء الحد الأدنى من التوافق الداخلي الذي يحول دون استخدام كل خطوة في الداخل كرسالة إلى الخارج. لكن المعضلة في لبنان لا تقف عند حدود التحليل النظري، بل تتجسد في واقع داخلي يرفض حل هذه القضية. والدولة، التي من المفترض أن تكون المرجعية النهائية، لا تزال موضع خلاف، والسيادة مطروحة كخيار سياسي، وليس كحقيقة دستورية. وهنا يكمن الخلل الأساسي: لا يمكن الجمع بين دولة وسلاح خارجها، ولا يمكن الحديث عن السيادة والقرار موزع، ولا يمكن المطالبة بالاستقرار وأسباب الانفجار موجودة. ولبنان اليوم لا يعاني من الضغوط الخارجية فحسب، بل أيضاً من التردد الداخلي في مواجهة هذه الحقائق. وكل تأجيل للحل الداخلي يفتح الباب أمام فرض حلول من الخارج، والتي غالباً ما تأتي على حساب الدولة نفسها. فالمطلوب لم يعد إدارة الأزمة، بل إنهاء أسبابها. وهذا لا يتم من خلال التوازنات الهشة، بل من خلال قرار واضح لا لبس فيه: إما دولة تحتكر قراراتها بشكل كامل، أو الانزلاق المستمر نحو نموذج الدولة الضعيفة. لبنان اليوم لا يواجه خيار النصر أو الهزيمة، بل يواجه تحدياً أكثر تعقيداً: إما البقاء أسيراً لمعادلة فرضها الآخرون، أو إعادة تحديد قواعد اللعبة بما يخدم مصلحته. الوطنية. لأن الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها هي الآتي: الجمهورية لا تبنى ضمن معادلة مجموعها صفر… بل بكسرها، قبل أن تتحول إلى مصير يكسرها.



