لبنان – علاقة متوازنة بدل «17 مايو» الجديد.

اخبار لبنانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لبنان – علاقة متوازنة بدل «17 مايو» الجديد.

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-03 09:39:00

لا يمكن النظر إلى الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان على أنها مجرد محطة دبلوماسية عادية أو استمراراً لزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق قبل أسابيع قليلة. وتأتي الزيارة في لحظة إقليمية حساسة للغاية، تتقاطع مع المفاوضات الأميركية – الإيرانية في الدوحة، والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، والتصعيد الأمني ​​المستمر في جنوب لبنان، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية. ولعل ما أعطى هذه الزيارة أهميتها أنها جاءت بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي رجحت أن يكون لسورية دور في التعامل مع بعض الملفات اللبنانية الحساسة، أبرزها ملف أسلحة حزب الله. لكن القيادة السورية سارعت إلى إغلاق باب التأويل، عندما أكد الرئيس أحمد الشرع بوضوح أن سوريا الجديدة لا تنوي إرسال أي قوات إلى لبنان، وأن عهد التدخلات العسكرية والسياسية التي ارتبطت بالنظام السابق أصبح شيئاً من الماضي، وأن دمشق تتعامل مع لبنان كدولة كاملة السيادة، ليس لها ساحة نفوذ أو صندوق بريد لتصفية حسابات إقليمية. ولم يكن هذا الموقف تفصيلاً سياسياً، بل شكّل الرسالة الأساسية التي حملها الشيباني إلى بيروت، وترجمها في لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب. نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام والرئيس وليد جنبلاط ومع مختلف السلطات اللبنانية السياسية والروحية. وفي كل هذه اللقاءات، ظهرت مفردات جديدة كانت شبه غائبة عن العلاقات اللبنانية السورية منذ عقود عديدة: الاحترام المتبادل، والسيادة، وعدم التدخل، وحسن الجوار، والشراكة الاقتصادية، والتعاون المؤسسي. وبدا واضحاً أن الرئيس عون أراد استغلال هذه اللحظة لإعادة إرساء أسس العلاقة المستقبلية بين البلدين. وشدد على أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع سوريا ولكن ضمن مفهوم الدولة للدولة بعيدا عن أي وصاية أو تدخل متبادل، مع التأكيد على أهمية التنسيق الأمني ​​لضبط الحدود ومنع التهريب ومواجهة الإرهاب، لأن استقرار سوريا هو في مصلحة لبنان، واستقرار لبنان يشكل مصلحة مباشرة لسوريا. في المقابل، أكد الشيباني أن دمشق تقلب صفحة الماضي نهائياً، ولا تريد استعادة أي من ممارسات النظام السابق، بل تسعى إلى بناء علاقة صحية ومستدامة مع كافة اللبنانيين، وتحويل الجغرافيا المشتركة من مصدر أزمات إلى مساحة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، لا سيما في مجالات الطاقة والنقل والتبادل التجاري وإعادة الإعمار. ولم يكن صدفة أن تتوج الزيارة بتوقيع اتفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، وهي خطوة تتجاوز رمزيتها السياسية إلى بعدها العملي، لأنها تنقل العلاقة الثنائية من الاتصالات الظرفية إلى إطار مؤسسي دائم، يضم وزراء متخصصين ويتابع الملفات الاقتصادية والأمنية والإدارية بشكل منتظم. وهذا التطور قد يكون، إذا أحسن استثماره، بداية مرحلة جديدة تستعيد عمق لبنان العربي عبر البوابة السورية، وتفتح لسورية نافذة إضافية على الاقتصاد العربي والبحر الأبيض المتوسط. لكن الملفت في هذه الزيارة ليس فقط لقاءات الرؤساء الثلاثة، بل أيضا الجولة الواسعة التي قام بها الشيباني للسلطات السياسية والدينية، في مشهد غير مسبوق منذ سنوات طويلة. ذهب إلى عين التينة، ثم كليمنصو، وبكركي، ودار الفتوى، والصيفي، ومعراب، وصولاً إلى طرابلس، في رسالة واضحة أن سوريا الجديدة تريد مخاطبة اللبنانيين كافة، وأنها لا ترغب في إعادة إنتاج سياسة المحاور والانقسامات التي ميزت المرحلة السابقة. وفي هذا السياق، اهتم المراقبون بشكل خاص باللقاءات بين عين التينة وكليمنصو، لما يحمله الرجلان الذين التقى بهم الشيباني من رمزية سياسية وتاريخية. والرئيس نبيه بري الذي كان على مدى العقود الماضية أحد أبرز المدافعين عن الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع سوريا، لخص هذه الحقيقة مرة أخرى بعبارته الشهيرة: «إما سوريا وإما البحر». وهي عبارة تتجاوز بعدها الخطابي، لتعكس واقع الجغرافيا والاقتصاد معاً، إذ لا يستطيع لبنان مهما تغيرت تحالفاته أن يلغي ارتباطه الطبيعي بسوريا، فهي معبره البري الوحيد نحو العمق العربي. أما الرئيس وليد جنبلاط الذي كان أول من احتفل بسقوط النظام السابق وأول من هنأ الرئيس الشرع ووزيره على رأس وفد كبير في دمشق، فقد أكد أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وبحث مع الشيباني آفاق تطوير العلاقات الثنائية بين سوريا ولبنان بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التعاون بين البلدين. وقال: “في السياق التاريخي، لا بد من التأكيد على العلاقات الجيدة والمتوازنة بين لبنان وسوريا. أما البعض في داخل لبنان الذين لم يفهموا بعد، أو لا يريدون أن يفهموا، أن نظام بشار الأسد البائد قد انتهى، فهذا أمر غريب”، مضيفا: “يجب اليوم أن نفتح علاقات سياسية واقتصادية واستراتيجية جديدة مع سوريا”. ورداً على سؤال حول الضمانات في ما يتعلق بعدم التدخل السوري في شؤون لبنان، أجاب جنبلاط بشكل حاسم: «انتهينا من موضوع التدخل السوري، ولكن بين العلاقة المتوازنة والمقبولة والموضوعية مع سوريا، وأي اتفاق قد يؤدي إلى ما هو أسوأ من اتفاق 17 أيار 1983، أنا أفضّل بالتأكيد علاقة متوازنة ومعقولة مع سوريا، ولا أؤيد أي اتفاق يشبه 17 أيار الجديد». وعندما يلتقي كلام بري مع موقف جنبلاط، رغم اختلاف التجربتين، تصبح الرسالة أكثر وضوحاً: لبنان لا يستطيع أن يدير ظهره لسورية، وسوريا الجديدة لا تستطيع أن تعيد طرق الماضي. وبين العبارتين يولد مفهوم جديد للعلاقة بين البلدين عنوانه المساواة والسيادة والمصلحة المشتركة. ولا تقل أهمية عن ذلك زيارة الشيباني إلى بكركي، حيث التقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في وقفة حملت أبعادا وطنية تتجاوز بعدها البروتوكولي، كما تعكس حرص دمشق على مخاطبة مختلف السلطات اللبنانية، وإيصال رسالة مفادها أن سوريا الجديدة لا تفرق بين مكونات لبنان، بل تراها شريكا كاملا في بناء الاستقرار الإقليمي. كما حملت زيارته لطرابلس دلالات تجاوزت بعدها الجغرافي. وكانت طرابلس من أكثر المدن اللبنانية تضررا من الحرب السورية، وتحولت على مدى سنوات طويلة إلى مصدر للتوتر الأمني ​​والسياسي. واليوم أرادت دمشق أن تجعلها رمزاً للمصالحة والانفتاح، والتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تنمية وتكامل اقتصادي، وليس مرحلة صراعات. وبالتوازي مع هذا الانفتاح اللبناني السوري، عقد مجلس الوزراء جلسة اكتسبت أهمية خاصة، أقر فيها اتفاق تشكيل اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة، ما يعكس وجود اتفاق رسمي على إعطاء العلاقات مع دمشق بعدا مؤسسيا جديدا، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي لاستعادة الأراضي اللبنانية المحتلة. إلا أن هذا الحراك السياسي يجري في ظل واقع أمني معقد للغاية. ويواصل الجيش الإسرائيلي انتهاكاته اليومية، ويعتزم إرساء معادلة جديدة في الجنوب تقوم على ما أصبح يوصف بـ”الحرب المنخفضة الوتيرة”، من خلال غارات محدودة وعمليات قصف وتوغلات محلية، وإنشاء هياكل عسكرية تعكس نية واضحة لإطالة أمد وجوده في بعض المناطق الحدودية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل التوصل إلى أي تسوية سياسية. في الوقت نفسه، جاء الانفجار الذي شهدته دمشق ليذكّر بأن سوريا نفسها لا تزال تواجه تحديات أمنية كبيرة، وأن القوى الساعية لمنع استقرارها لم تتراجع بعد. وهذا يعني أن نجاح أي مشروع لبناني سوري جديد يبقى مرتبطاً بقدرة البلدين على حماية استقرارهما الداخلي والحيلولة دون تحول أراضيهما إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية. وعلى المستوى الإقليمي، لا تزال الأنظار تتجه نحو الدوحة، حيث تتواصل المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. وسجلت الاجتماعات الفنية الأخيرة بعض التقدم، لكن القضايا الأساسية ما زالت معلقة، فيما يتواصل تبادل الرسائل العسكرية في الخليج، ويستمر التوتر بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، ما يؤكد أن المنطقة لا تزال تشهد مرحلة انتقالية دقيقة، ما يجعل من الصعب توقع التسويات النهائية في المدى القريب. وسط هذه الصورة المعقدة، يبدو أن لبنان أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعه الإقليمي. إن العلاقة الجديدة مع سوريا، إذا كانت مبنية حقاً على أساس الاحترام المتبادل والمؤسسات، يمكن أن تشكل بوابة للبنان لاستعادة دوره الاقتصادي، وفتح الأسواق العربية، وتطوير مشاريع النقل والطاقة، وإعادة ربط لبنان بعمقه الطبيعي. لكن هذه الفرصة تظل مشروطة بالإرادة السياسية الصلبة لدى الجانبين، وقدرتهما على تجاوز ذكرى السنوات الثقيلة، والتوجه نحو شراكة حقيقية لا تقوم على توازن القوى، بل على المصالح المشتركة. لم تكن زيارة الشيباني مجرد زيارة وزير خارجية إلى دولة مجاورة، بل كانت إعلاناً عن بداية اختبار سياسي كبير: هل يستطيع لبنان وسوريا، للمرة الأولى منذ عقود، بناء علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين، وليس بين ولي ووصي، ولا بين خصمين دائمين؟ الجواب لن يكون عبر بيانات مشتركة، بل خلال الأيام المقبلة. هل ستتحول اللجنة العليا المشتركة إلى مؤسسة منتجة، وهل سيتحول التعاون الاقتصادي إلى واقع، وهل سيترجم الأمن على الحدود إلى استقرار دائم، وهل ستنجح المنطقة برمتها في الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق صنع السلام. إنها لحظة تاريخية بامتياز، قد تفتح الباب لمشرق جديد، أو تعيد إنتاج أزمات الماضي بشكل مختلف. وبين الاحتمالين، يبقى الرهان على حكمة القادة، وعلى قدرة شعوب المنطقة على تحويل الجغرافيا من لعنة سياسية إلى فرصة للتكامل والتنمية، لأن الأمم لا تبنى بالشعارات، بل بالشراكات التي تصمد أمام اختبار الزمن.

اخبار اليوم لبنان

علاقة متوازنة بدل «17 مايو» الجديد.

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#علاقة #متوازنة #بدل #مايو #الجديد

المصدر – الصحافة – صوت بيروت إنترناشونال