اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-31 18:00:00
لا تبدو أزمة السفير الإيراني في لبنان محمد رضا الشيباني مجرد خلاف دبلوماسي يمكن احتواؤه ضمن الأطر التقليدية للعلاقات بين الدول. بل يكشف في عمقه عن خلل بنيوي في طريقة إنتاج القرارات داخل الدولة اللبنانية، وحدود القدرة على الانفصال بين الداخل والخارج في نظام يقوم بالأساس على توازنات دقيقة لا تحتمل الصدمات. القرار المتعلق بالسفير، في سياقه اللبناني، لا يقاس فقط بمعاييره القانونية أو السيادية، بل بمدى انسجامه مع شبكة التوافق التي تحكم البلد. وذلك لأن لبنان، على عكس الدول المركزية، لا يعمل بمنطق الأغلبية، بل يقوم على الشراكة بين مكوناته، حيث يتحول أي إجراء يمس طرفاً أساسياً إلى خطوة يفسرها الأطراف المعنية على أنها استهداف سياسي، حتى عندما يقدم تحت عنوان سيادي. ومن هذه الزاوية، فإن الاعتراض على قرار طرد السفير الإيراني يتجاوز مسألة الشخص أو المنصب الدبلوماسي، ليصل إلى قراءة أوسع تتعلق بمكانة الطائفة الشيعية ضمن المعادلة الوطنية، وطبيعة علاقتها بإيران. وهذه العلاقة، في وعي شريحة واسعة، لا تقتصر على إطار دبلوماسي، بل تنظر إليها هذه البيئة كامتداد سياسي وأمني تشكل على مدى سنوات طويلة من التوترات الإقليمية، وتعززت مع تصاعد المواجهة مع إسرائيل، ما أعطاها بعدا يتجاوز هذا الإطار. عند هذه النقطة، تصبح الأزمة معقدة بشكل واضح. وعندما تتخذ الحكومة قراراً يؤثر على هذا التمديد، من دون أن يسبقه إجماع داخلي أو مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار حساسية اللحظة، فإن هذه البيئة تتعامل معه كجزء من صراع داخلي وليس خطوة تنظيمية في العلاقات الخارجية. ويشتد هذا التوجه مع تزايد الشعور في هذه البيئة بأنها تتحمل وطأة المواجهة المستمرة، ما يدفعها إلى التعامل بحساسية أكبر مع أي خطوة ترى أنها تقيد حلفائها أو تقلل من مكانتها. في المقابل، لا يمكن فصل هذا المشهد عن التراكمات التاريخية الثقيلة التي لا تزال تتحكم في طبيعة العلاقة بين الأطراف اللبنانية وإيران. ولا تنطلق هذه العلاقة من لحظة سياسية راهنة، بل تقوم على إرث طويل من الصراعات والقضايا العالقة، إضافة إلى مستوى عالٍ من عدم الثقة، ما يدفع هذه الأطراف إلى التعامل مع أي قرار على أنه امتداد لهذا الصراع، وجزء متصل بسياقه وخلفياته. وبين هذا وذاك، تكشف الأزمة خللاً في أسلوب اتخاذ القرار داخل الدولة. وعندما يتم اتخاذ القرار دون مراعاة توازنات المكونات أو مصالحها، فإن الجهة المعنية تتعامل معه كقرار يستهدفها أو يتجاوز موقفها، ما يدفعها إلى تعزيز ارتباطها بخيارات خارج إطار الدولة. ومن ثم فإن المسألة لا تبقى مرتبطة بالسيادة فقط، بل تتحول إلى مشكلة داخلية تتعلق بقدرة الدولة على إدارة التوازن بين مكوناتها. المشكلة إذاً لا تكمن فقط في قرار بقاء السفير أو رحيله، بل في طريقة إدارة هذا الملف الحساس، إذ لا يمكن الحديث عن السيادة من مقاربة تختار تدخلاً معيناً وتتجاهل أخرى، ما يثير تساؤلات جدية حول المعايير المعتمدة في اتخاذ القرار، وهو ما ينعكس داخلياً بشكل مباشر، إذ يشعر قسم من اللبنانيين أن الموضوع يتجاوز حماية السيادة إلى الاستهداف السياسي، في حين أن المقاربة التي تقوم على الإقصاء أو فرض الأمر الواقع في نظام يقوم على التوازن وغالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه يعيد إنتاج الانقسام بدلاً من معالجته ويزيد من مستوى التوتر. في النهاية، ما يحدث اليوم لا يعكس فقط أزمة دبلوماسية حالية، بل يكشف مرة أخرى هشاشة الصيغة اللبنانية عندما تُختبر في لحظات الضغط. وبين منطق السيادة ومنطق التوازن، يبقى التحدي الحقيقي في إيجاد صيغة تمنع الانزلاق إلى الداخل، لأن أي خلل في هذا التوازن لا يبقى محصوراً في السياسة، بل يتجاوزها ليؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي.


