اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-29 22:00:00
ليست المرة الأولى التي تمد فيها الدوحة يدها إلى لبنان، لكن اللافت هذه المرة هو شكل العودة ومضمونها. وبدلاً من الاكتفاء بعنوان واسع “المساعدات”، جاءت الحزمة القطرية الأخيرة في شكل أقرب إلى “سلة” متكاملة: الكهرباء، ومشاريع الطاقة، والدعم المباشر للجيش، ومبادرات اجتماعية وتعليمية، ومشروع منظم للعودة الطوعية للنازحين السوريين، بالتوازي مع لغة سياسية تربط الاستقرار اللبناني باستقرار المنطقة. صحيح أن قطر قد تكون من الدول القليلة التي لم تسحب يدها من لبنان حتى في مرحلة «التراجع» العربي والخليجي عنه. لكن مبادرة الدوحة المتجددة، التي تأتي عشية مؤتمر باريس لدعم الجيش وقوى الأمن، تبدو أكثر واقعية، وتضمنت أرقاما واضحة وبرامج تنفيذية وآليات شفافة، مع تأكيد مسؤولين قطريين أن ما تم الإعلان عنه حصل على الموافقات الرسمية المطلوبة، وسيترجم إلى تنسيق مباشر مع الجهات المعنية. لكن في بلد اعتادت المساعدات أن تتحول إلى موضوع سجال داخلي أو «حسن نية» مستهلك إعلامياً، لا يكفي أن تكون المبادرة إيجابية حتى تأتي بنتائج تلقائية، حتى لو رافقتها آليات تنفيذ شفافة. الرزمة نفسها تكشف بوضوح عن «شرط غير معلن» لأي دعم خارجي، يتمثل في وجود دولة قادرة على الاستيعاب والتنفيذ. وإلا ستتحول الفرصة إلى محطة جديدة في سجل الهدر والعرقلة وتسييس المشاريع، وهنا يكمن الخطر الحقيقي. من الكهرباء إلى الجيش: تحدث وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، في زيارته الأخيرة، عن مساعدات جديدة للبنان، منها منحة بقيمة 40 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، بالتوازي مع مشروع اقتصادي لدعم القطاع ذاته بقيمة 360 مليون دولار، يستفيد منه نحو مليون ونصف مشترك. هذه الأرقام وحدها تفسر سبب وضع ملف الكهرباء على رأس «سلة الدعم»، باعتباره قضية يومية تمس حياة الناس بشكل مباشر، إضافة إلى كونها بوابة إصلاحية تقاس من خلالها جدية الدولة. والقيمة السياسية هنا لا تقل عن القيمة المالية. وحين تخصص الكتلة الأكبر من الدعم لقطاع طالما ابتلع الوعود والتمويل دون نتائج مستدامة، يصبح السؤال الداخلي أهم من السؤال الخارجي: هل تمتلك الحكومة الأدوات الإدارية والرقابية لتوجيه هذه الموارد حيث ينبغي، بعيداً عن منطق «الترقيع»؟ هل تستطيعون تحويل الدعم إلى مسار يثبت أن الإصلاح ليس شعارا موسميا بل آلية عمل؟ وفي انتظار بلورة الجواب الذي يفترض أن يُبنى عليه الكثير، لم يكن مفاجئا أن تشمل المساعدات القطرية الجيش، علما أن الدوحة كانت من أبرز الداعمين للمؤسسة العسكرية خلال السنوات الماضية من خلال دعم الرواتب وتوفير الوقود، وهي الآن تعلن عن برنامج توريد 162 آلية لتعزيز القدرات، مع تسليم دفعة أولى مكونة من 37 مركبة. ولا شك أن هذا النوع من الدعم يكتسب رمزية إضافية في وقت تتزايد فيه الأعباء الميدانية واللوجستية على المؤسسة العسكرية، وتتزايد الرهانات الداخلية والخارجية على دورها كصمام أمان. “فرصة اختبار” للبنان على أهمية الدعم القطري في مختلف القطاعات. وتبقى التداعيات السياسية هي الأهم، خاصة أن الدوحة لا تفصل الدعم الأمني عن الإطار السياسي. وفي اللقاء الذي جمع رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري مع المبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان، تم التأكيد على أن استقرار لبنان هو ركيزة من ركائز استقرار المنطقة، وضرورة الالتزام بتنفيذ القرار 1701، واحترام السيادة اللبنانية، وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية، مع الإشارة إلى دور “الخماسي” ومواصلة التنسيق مع الشركاء. ويقول العارفون إن هذا الارتباط يعني بالأساس أن قطر تدعم «الدولة» كفكرة ومؤسسات، وليس مجرد قطاع معزول، وهنا تبرز الإشارة إلى التنسيق القطري السعودي في مقاربة الدعم، وهو ما يعكس محاولة تجميع مظلة عربية داعمة بدلاً من ترك لبنان يتأرجح بين مبادرات منفصلة. وحتى لو اختلفت الروايات حول طبيعة هذا التنسيق وحدوده، فإن مجرد إدراجه في الصورة يبعث برسالة سياسية عشية مؤتمر باريس، عنوانها تكامل الدعم العربي لحماية لبنان من تحولات إقليمية دراماتيكية. من هنا، يبدو الدعم القطري أقرب إلى «فرصة اختبار» للبنان الرسمي. فمن ناحية، هو دعم يحمل مؤشرات إيجابية، مع قناة تنفيذ عبر صندوق قطر للتنمية، ومن ناحية أخرى، فهو اختبار لقدرة الدولة على إدارة الملفات المتشابكة، من الكهرباء إلى الجيش إلى النازحين، وجميعها ملفات حساسة. لكن الأهم في هذا الدعم هو أنه يراهن على المؤسسات وليس على الانقسامات، وهذا وحده يستحق مقاربة إيجابية، بل أيضاً نقل المسؤولية عن الطرف الآخر. وفي الختام، ليس من المبالغة القول إن قطر التي وقفت دائماً إلى جانب لبنان، تقدم له الدعم اليوم من مصدر آخر، وبمنطق «الاستثمار في الاستقرار»، من خلال دعم الجيش كمؤسسة شاملة، والدفع بقطاع الكهرباء باعتباره العمود الفقري الأكثر إلحاحاً، وهكذا. لكن القيمة النهائية لهذا التوجه ستتحدد في بيروت، وليس في الدوحة، وعنوان ذلك هو الإجابة على سؤال بسيط ولكنه إشكالي: هل ستغتنم الدولة الفرصة وتحولها إلى مسار عمل قابل للقياس، أم سيترك الدعم في حسابات ضيقة ويتبخر تأثيره؟



