اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-19 12:00:00
الاتفاق الأميركي ـ الإيراني أعاد الملف اللبناني إلى دائرة الضوء، لكنه لم يحل المشكلة الأساسية التي ستطبع المرحلة المقبلة، والتي يُخشى أن تفجر المفاوضات تماماً: أي خطوة يجب أن تأتي أولاً؟ هل سيكون الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب مدخلاً لبحث الترتيبات الأمنية والسلاحية، أم أن حزب الله مطالب بتقديم التزامات مسبقة قبل أي انسحاب واضح؟ عند هذه النقطة تحديداً، تصبح المعادلة اللبنانية معقدة، وتبدو وكأنها عالقة في حلقة يصعب الخروج منها. منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن وقف إطلاق النار، على أهميته، لا يكفي وحده لإنهاء الحرب. صحيح أن تراجع العمليات يخفف الضغط على الجنوب ويفتح الباب أمام العودة التدريجية إلى السياسة، لكن المشكلة الحقيقية تحولت إلى ترتيب الالتزامات. كل طرف يريد أن يبدأ الآخر، وكل طرف يخشى تقديم خطوة حرة لا يقابلها التزام فعلي على الأرض. لذلك، يجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام معضلة دقيقة، رغم كل الوعود. فالدولة تريد تعزيز موقعها كجهة رسمية مسؤولة عن التفاوض وتنفيذ أي تفاهم، لكنها لا تملك وحدها القدرة على ضبط كل عناصر المعادلة. ويربط الحزب أي نقاش داخلي بانسحاب إسرائيل ووقف هجماتها. في المقابل، تحاول إسرائيل أن يكون الانسحاب نتيجة نهائية لعملية طويلة، وليس خطوة أولى تسمح بإعادة ترتيب الوضع في الجنوب. المعادلة الإسرائيلية: الانسحاب جائزة تتعامل إسرائيل مع المرحلة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة قواعد المواجهة مع لبنان. فهي لا تريد أن يبدو وقف إطلاق النار بمثابة عودة إلى ما قبل الحرب، ولا تريد الانسحاب من المواقع التي تقدمت إليها دون الحصول على ثمن سياسي وأمني واضح. ولذلك تحاول تل أبيب ربط أي تراجع ميداني بمسألة سلاح حزب الله، وبضمانات تمنع عودة الحزب إلى المناطق الحدودية. ومن هذا المنطلق يمكن تفسير العمليات الواسعة التي يشنها الجيش الإسرائيلي في الجنوب. وهذا المنطق يضع لبنان أمام معادلة صعبة جداً. الانسحاب الإسرائيلي، بحسب القراءة اللبنانية، يجب أن يكون البوابة لأي تهدئة فعلية، لأنه يعيد الحدود ويمنح الدولة مساحة أوسع للتحرك. لكن عندما يتحول الانسحاب إلى ورقة مشروطة، فإن إسرائيل احتفظت عمليا لنفسها بهامش ضغط دائم، يمكنها استخدامه كلما تعثر المسار السياسي أو الأمني، وبالتالي شرعنة احتلال المزيد من الأراضي عشية كل مسار سياسي. والأخطر من ذلك أن هذا الارتباط يسمح لإسرائيل بإبقاء الحرب معلقة، حتى لو تراجعت وتيرتها. ويمكن القول إن المشكلة لم تحل لأن السلاح لا يزال موجوداً، وإن وجودها العسكري أو استمرار ضرباتها يقع ضمن منطق منع التهديد. وبذلك يصبح وقف إطلاق النار محطة على مسار ضغط مفتوح، قد يتغير شكله من غارات واسعة النطاق إلى عمليات وتحذيرات وتهديدات محدودة. المعضلة الداخلية: بين الانسحاب والسلاح داخل لبنان تبدو الصورة أكثر تعقيداً. حزب الله لا يريد الدخول في أي نقاش حول سلاحه تحت ضغط النار أو الوجود الإسرائيلي. بالنسبة له، لا يمكن البدء بالبحث في مستقبل الجنوب ما دامت إسرائيل تحتل النقاط اللبنانية وتستمر في عدوانها. ومن هنا يصبح الانسحاب شرطاً سياسياً وأخلاقياً للحزب قبل أي اعتبار آخر، حتى لو تم تسويقه خارجياً نتيجة المفاوضات وليس شرطاً مسبقاً. والدولة من جانبها تتحرك في حيز ضيق. فهي تحتاج إلى انسحاب إسرائيلي لتثبت أن خيار التفاوض قادر على تحقيق النتائج، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى طمأنة العالم الخارجي إلى أن لبنان لن يعود إلى الصيغة السابقة ذاتها. لكن هذه المهمة تصطدم بواقع داخلي حساس، إذ إن أي ضغط مباشر على الحزب قبل حدوث انسحاب واضح قد يُنظر إليه على أنه تنفيذ لشروط إسرائيلية، وأي تأجيل كامل لملف السلاح قد يعطي إسرائيل ذريعة لإطالة وجودها وتصعيد وجودها. وهنا يتضح خطر الدائرة المغلقة. وتقول إسرائيل إن الانسحاب مرتبط بسلاح الحزب، بينما يقول الحزب إن النقاش يبدأ بعد الانسحاب. أما الدولة فتقول إنها تريد كلا الأمرين. ومن بين كل هؤلاء يقف النازح الذي لا ينتظر صيغة تفاوضية بقدر ما ينتظر طريقاً آمناً إلى بلدته، ووطناً يمكنه العودة إليه، وسماء لا تبدو فيها المسيرات تهديداً دائماً. ولذلك فإن أي اتفاق لا يترجم سريعاً إلى أمن ملموس سيبقى في نظر الشعب ناقصاً، مهما كانت أهميته السياسية. ويبدو أن المرحلة المقبلة هي اختبار حقيقي لقدرة واشنطن على السيطرة على حليفتها إسرائيل، وقدرة طهران على ترجمة وعودها لحلفائها، وقدرة الدولة اللبنانية على استعادة زمام المبادرة من داخل هذا الصدام الواسع. لذلك، قد لا يكون التحدي في التوصل إلى اتفاق إضافي، بل في ترتيب الخطوة الأولى، لأن أي خلل في التوقيت قد يؤدي إلى تفجير التفاهم بدلاً من تثبيته. في لبنان، غالباً ما تبدأ العرقلة بنفس السؤال البسيط: من سيبدأ أولاً؟



