اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-11 09:00:00
لم يعد السجال في لبنان يدور حول تنفيذ قرارات الحكومة في جلستي 5 و7 آب/أغسطس، بقدر ما أصبح يدور حول تفسير مفرداتها. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير على أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة سلاح أو أزمة سيادة، بل أزمة إرادة سياسية مترجمة في لعبة لغوية دقيقة. هل نحن أمام «التفرد» كما ورد في قرارات حكومية، أم أمام تعبير جديد وهو «يحتوي» السلاح، وهذا ما أدرجه الرئيس نواف سلام في قاموسه السياسي، خلافاً للإجماع شبه الوطني؟ ويعتقد أن الانطباع العام في البلاد هو أن رئيس الوزراء في سباق مبكر نحو انتخابات ما بعد مايو، لو جرت في موعدها. خطواته المتتالية نحو ما يشبه الدخول إلى «بيت الطاعة» لا تُقرأ على أنها إدارة أزمة وطنية بقدر ما تُقرأ على أنها محاولة لضمان إعادة تكليفه، وفق حسابات لا علاقة لها بما تقرر سابقاً على المستوى السيادي واستعادة الدولة السيطرة. ومن هنا فإن استبدال عبارة “تفرد السلاح” بعبارة “احتواء السلاح شمال الليطاني” جاء بمثابة تحول سياسي مقصود. ومعلوم أنه في السياسة لا توجد مصادفات لغوية، بل إشارات مشفرة موجهة عادة إلى موازين القوى الداخلية والخارجية لأغراض لم تعد تخفى على أحد، لا في الداخل ولا في الخارج. وكانت قرارات الحكومة يومي 5 و7 آب/أغسطس، في تلك اللحظة، محاولة لرسم خط سيادي واضح، باعتبار أن الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني. لكن ما حدث لاحقاً كان عملية تدريجية لإفراغ هذه القرارات من محتواها من خلال إعادة تعريف المصطلحات. وسارع «حزب الله»، الذي انزعج من مصطلحات مثل «التطهير» و«الحصر»، إلى إعادة ضبط خطابه وأمر مسؤوليه باستخدام كلمة «الاحتواء» بدلاً من «الحصرية». الفرق بين الكلمتين ليس تجميليا، بل جوهري. “الاستنتاج” يعني نهاية الازدواجية، بينما “الاحتواء” يعني الإدارة المثالية للازدواجية. لكن هذه المعركة، في مضمونها السياسي واللغوي، ليست لبنانية فقط. بل يرتكز على تأثير التحولات الإقليمية الكبرى، خاصة تأثير المفاوضات الأميركية الإيرانية التي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة، والمحاولة الدولية لتهدئة الجبهات من غزة إلى جنوب لبنان. وفي هذا السياق، يصبح ملف سلاح حزب الله جزءاً من محور إقليمي أوسع، وليس مجرد بند حكومي داخلي. إن الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، لا تضغط اليوم من أجل نزع السلاح الفوري بقدر ما تضغط من أجل “إدارة المخاطر”. وهذا التعبير الدبلوماسي قريب جداً من مفهوم “الاحتواء”. بمعنى آخر، ما يتم تسويقه داخلياً على أنه حل لغوي، قد يكون انعكاساً لنهج دولي يرى أن الاستقرار المؤقت أفضل من صراع كبير، لكن المشكلة هنا هي أن منطق إدارة الأزمات يختلف جذرياً عن منطق بناء الدول، وأن ما تراه هذه الدول أكثر ملاءمة للبنان، يسعى فريق رئيس الوزراء إلى ضبط إيقاعه مع أوتار الخلاف السياسي بهدف «العودة الميمونة» إلى القصر الكبير. ويرى أكثر من محلل سياسي أن الدولة التي تقبل «الاحتواء» بدلاً من «الحصر» تعني بصراحة أنها تدخل عملياً في نموذج الدول الرمادية بين لا حرب ولا سلام، بين لا سيادة كاملة ولا انهيار كامل. وهذا النموذج يناسب القوى الإقليمية التي تريد ساحة لبنانية مسيطر عليها، لكنه لا يناسب مشروع الدولة الطبيعية القادرة على جذب الاستثمار وإعادة بناء مؤسساتها. المفارقة السياسية هنا هي أن الحكومة نجت من اختبار الموازنة بفضل حزب الله نفسه الذي يعترض على مضمون قراراتها ويعتبرها خطيئة لا بد من ردها. وهذا يكشف أن التوازن القائم ليس توازن مبادئ، بل توازن مصالح. «الحزب» يمنح الحكومة الأوكسجين البرلماني، والحكومة تمدها بالأكسجين السياسي من خلال تخفيف حدة خطابها السيادي، بينما المجتمع الدولي يراقب ويفضل الاستقرار الهش على الانفجار الكبير. السؤال الحقيقي إذن لم يعد ما هو الفرق بين “الحجز” و”الاحتواء”؟ بل هو: هل لبنان جزء من مشروع دولة ذات سيادة كاملة، أم جزء من تسوية إقليمية طويلة الأمد تتم فيها إدارة الأزمات بدلاً من حلها؟ أما الخامس والسابع من أغسطس/آب، فإما أن يظلا نصين سياديين مؤجلين للتنفيذ انتظاراً للحظة إقليمية مواتية، وإما أن يصبحا عنواناً لمرحلة انتقالية طويلة يُعاد فيها تعريف الدولة نفسها: دولة تحت الاختبار أو دولة تحت الاحتواء.



