اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-27 11:37:00
منذ 4 ساعات آخر تحديث: 27 مارس 2026 12:53 م الغارات الإسرائيلية السابقة على جنوب لبنانجنوب لبنان، أو جنوب النهر، أو جنوب الجنوب، منطقة جغرافية غارقة في القدم، إذ شكلت الشعوب والقبائل التي سكنتها على التوالي، منذ آلاف السنين، ذاكرة جماعية موروثة، مكتوبة وشفهية، تركت بصماتها في الأماكن وفي الذاكرة. وفيها أجرى السيد المسيح أولى معجزاته في قانا الجليل، حيث ربط المؤرخون تعاليمه وظهوراته ووصفت بـ”بلد الإنجيل”، وعرفت فيما بعد بـ”بلد البشارة”. وفيها نزل الكنعانيون قادمين من الجزيرة العربية، وبنوا أولى لبنات حضارتهم ووجودهم قبل المسيح بثلاثة آلاف سنة. ومن ميناء صور أبحرت ابنة ملكها إليسار إلى قرطاجة، وأعطت أختها أوروبا اسمها للقارة القديمة. وجاءت قبيلة عامل اليمنية إلى ذلك المكان واستقرت هناك بعد فيضان العرام بمأرب، فسمي باسمها جبل عامل. ويعتبر جبل عامل الذي ترتكز تلاله على كتف الجليل، بمثابة بوابة عبور للقادمين والعائدين إلى القدس، سواء الغزاة أو المحتلين أو الحجاج الزائرين. وفي حاضرنا، المكان الواسع في لبنان الكبير هو الذي شكل الذاكرة الجماعية للطوائف الشيعية التي سكنته منذ أكثر من ألف سنة. هناك خلقت رواياتها عن أزمنة مرت ومرت، عن سلاطين مروا، عن جيوش عبرت ثم غادرت، عن مهن هُزمت، وعن اللبنانيين الذين انتموا إليها مكاناً وتراثاً وذاكرة وهوية. لقد حفروا في الصخر من أجل بنائه، وضحوا بحياتهم من أجل الحفاظ عليه. وكانوا يغادرونها في كل مرة بالقوة على أمل العودة. فهو ليس مجرد مكان، بل هو انتماء ثقافي وحاضنة للذاكرة الفردية والجماعية. هذه ذكرى تتقن تحويل الحزن والألم إلى فرح، والكارثة إلى فرصة جديدة للنهوض والخروج من الموت والحرب. الحرب لا تمحو الحجر فحسب، بل تمحو أيضًا الحكايات والقصص والذكريات الشفهية المرتبطة به، إذ يصعب على الناس استعادة ماضيهم وذكرياتهم. يتسبب اللجوء والنزوح في حدوث شرخ بين الأشخاص والأماكن، ومع مرور الوقت يتحول المكان إلى ذاكرة متخيلة، وتفقد الذاكرة صورها السابقة. وهنا يجب أن نتساءل: إذا عاد الجنوبيون وأعادوا بناء قراهم ومدنهم وبيوتهم، فهل سيتمكنون من إعادة بناء ما انقطع من الذاكرة؟ فالحرب تعيد إنتاج روايات متعددة وقصص مختلفة، وتقلص الذاكرة الجماعية لصالح روايات منفصلة ومشتتة، ولكل فرد روايته المختلفة، وهذا ما ينتج الخلاف في الذاكرة، وليس الخلاف. الذاكرة المثقوبة تسرب الإحساس بالوحدة، وتنمو مكانها الأنا المنفصلة والقاطعة. قد يتمكن الجنوبيون من إعادة بناء ما تم تدميره، لكن هل من السهل إنقاذ ما تم تدميره من ذاكرة عمرها آلاف السنين؟ هل يمكننا إخراجها حية من تحت الأنقاض؟ والقرى المدمرة بتراثها الإنساني وقيمها وعاداتها من أغاني وأناشيد وساحات ودور عبادة ومقابر وشواهد قبور… هي شواهد الذاكرة والتاريخ. ما سيواجهه الجنوبيون ليس فقط هموم العودة أو إعادة البناء، بل الخوف من ذاكرة غنية بتفاصيلها، بمؤثراتها وحضورها وحضورها. هذه المعرفة في الأدب والشعر والثقافة يصفها الشاعر الجنوبي الكبير شوقي بزيع قائلاً: “بل هي الثمرة الطبيعية لاتحاد المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل منه التاريخ جانباً، والجغرافيا جانباً آخر، إضافة إلى عوامل حضارية وثقافية متنوعة. ولعل اجتماع هذه العوامل في محور واحد هو ما أتاح لجنوب لبنان أن يكون حاضناً مناسباً لكل الشعريات التي حدثت على أرضه منذ القدم إلى يومنا هذا”. جنوبًا، أماكننا، حاضرنا وأفكارنا التي دمرت، أرواحنا التي ضاعت، ذكرى يصعب نسيانها، ولكن ربما يصعب علينا حمايتها.


